تزوير عيسى بن نسطورس لسماعٍ على ابن خالويه – د. محمد علي عطا

18199435_10212375544682261_3223262337253323863_n

د. محمد علي عطا

MA.ATA.2020@GMAIL.COM

كثرت نسخ الجمهرة جدا على مدار التاريخ حتى وصلت مائة واثنتين وثلاثين نسخة([1])، ومن أهم نسخها نسخة ابن خَالَوَيه (ت370هـ)، وقد وقف ابن العديم(ت660هـ) على أصل ابن خالويه هذا حيث قال في “التذكرة”([2]):”وقفت على نسخة من كتاب الجمهرة أصل أبي عبد الله ابن خالويه، وكانت لعمي جمال الدين أبي غانم محمد بن هبة الله من كتب والده رحمه الله، فوجدت عليها سماع جماعة آثرت نقل ما استحسنت منه؛ لأنه لا يخلو عن فائدة”.

 ونقل لنا وصفها فهي تتكون من مجلدين، الأول يحوي أحد عشر جزءا، وعدد ورقه مئتان وعشرة، مما يعني أن الجزأ يتكون من تسع عشرة ورقة تقريبا، والمجلد الثاني يتكون من مائتين وخمسين ورقة ولم يذكر أجزاءه.

وذكر هذه السماعات وتواريخها، وهي:

– سماع على الجزء الأول بخط الأمير سيف الدولة الحمْداني(ت356هـ) من أول الكتاب إلى آخره في ليلة الخميس النصف من رجب، سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.

– سماع بخط ابنه سعد الدولة أبي المعالي شريف من أوله إلى آخره، في شهر ربيع الأول، سنة سبعين وثلاثمائة.

– سماع بخطِّ الأمير أبي فراس الحمداني(ت357هـ) وخطُّه في نهاية الحسن على طريقة ابن مقلة في صفر سنة خمسين وثلاثمائة.

– سماع بخطِّ السَّديد أبي صالح وزير سعد الدولة في شوال سنة تسع وستين وثلاثمائة.

– سماع بخطِّ أبي الحسن محمد بن عيسى النَّامي العراقي، وكان شاعرًا مجيدًا، له مدائح في سعد الدولة وغيره، وكان لغويا فاضلا، ذكر سماعه على ابن خالويه على الجزء الأول والثالث والرابع والخامس والسابع والثامن والتاسع والجزء العاشر وعلى أول الحادي عشر، وتعمد في سرد سماعه الإكثار من وصف ابن خالويه ومدحه بألفاظ من الغريب.

قال ابن العَديم: وقرأتُ في المجلَّد الأول: بدأت بنسخ هذا المجلد، وهو أحد عشر جزءا عدد ورقها مئتان واثنتا عشرة ورقة، من الجمهرة بحلب يوم الجمعة لسبع خلون من جمادى الأولى سنة سبعين وثلاثمائة، وأتممته بها يوم الخميس لثلاث ليال خلون من رجب من هذه السنة، وبدأت بالقراءة والتصحيح على الشيخ الأوحد أبي عبد الله ابن خالويه في يوم الثلاثاء؛ لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، وأبو عدنان-ابني- يسمع، وأتممت القراءة يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب، من هذه السنة، ولم يمض مشكل إلا استثبته وسألت عنه، وكتبت في جزء مفرد ما أراده، أيَّده الله. وكتب عُبيد الله بن إبراهيم بن أبي عدنان.

وعليه بخطِّ ابن خالويه: صدق وبرَّ سيدي وولدي أبو منصور عُبيد الله بن إبراهيم بن أبي عدنان، أدام الله عزَّه في جميع ما ذكره وزَبَره بيده، لا شُلَّت. وكتب الحسين بن خالويه بيده.

وعلى المجلد الثاني في أثنائه: نقلتُ هذا المجلد من الجمهرة وعدده مئتان وخمسون ورقة بحلب، وتمَّمت القراءة والتصحيح على الشيخ الجليل الأوحد أبي عبد الله الحسين بن خالويه النحوي، أدام الله عزَّه، في يوم الخميس لثماني ليال بقين من شهر رمضان، سنة سبعين وثلاثمائة وأبو عدنان يسمع. وكتب عبيد الله بن إبراهيم بن أبي عدنان.

 تزوير السماع: والمهم المشكل في هذه السماعات هو وجود سماع بخطِّ عيسى بن نسطورس القبطي الكاتب وزير العزيز بالله([3])، على المجلد الثاني نصه: “قرأ جميع ما في هذا الجزء من الجمهرة على الأستاذ أبي عبد الله ابن خالويه أدام الله عزه: عيسى بن نسطورس الكاتب، وذلك بحلب في شعبان من سنة تسع وسبعين وثلاثمائة”.

ونقل بخطه بعض الفوائد التي كانت عليها، وربما هي الفوائد والمشكلات التي أشار إليها العدناني سابقا، وقد انخرم أكثرها.

والإشكال في ذلك  أمران:

الأول: أن الأخبار القليلة المنثورة عن عيسى بن نسطورس في المصادر التاريخية ذكرت أنه كان مصريا ولم تذكر له رحلة إلى حلب حيث ابن خالويه، ولا يعرف لابن خالويه رحلة إلى مصر. ولكن يظل هذا الإشكال غير يقيني بسبب شح المعلومات عنه.

والثاني: هو تاريخ سماعه، الذي كان عام تسع وسبعين وثلاثمائة، ولا خلاف في أن ابن خالويه توفي عام ثلاثمائة وسبعين؛ أي قبل هذا السماع بتسع سنوات. ونلاحط أن السماعات الأخرى الكثيرة  كانت في أعوام: 337هـ، 350هـ، 369هـ، 370هـ. وهي متسقة مع تاريخ وفاة ابن خالويه(ت370هـ).

ومحاولة لدفع التهمة يُحتمل أن يكون تصحفت كلمة(سبعين) عن (ستين)، فيكون سماعه عام (369هـ)، ولكن هذا غير وارد؛ لأنه نقل بعض الفوائد التي ذكرها عبيد الله ابن أبي عدنان، الذي كتب فوائده عام (370هـ)، مما يعني أنه تزوير لا مخرج له، والله أعلم!

______________________

الحواشي:

 ([1])  انظر نسخ جمهرة ابن دريد على مدار التاريخ، د. محمد علي عطا، موقع حماسة، على الرابط: http://www.hamassa.com/2016/08/31/%D9%86%D9%8F%D8%B3%D9%8E%D8%A)

([2])  تذكرة ابن العديم، تحقيق إبراهيم صالح، (ص188-197)، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2010م.

([3])  نصراني من أقباط مصر تولى الوزارة سنة 380هـ للعزيز بالله(ت386هـ)، ومكث سنة وعشرة أشهر، وكان فيه جلادة وكفاية فضبط الأمور وجمع الأموال ووفر كثيرا من الخراج، ولكن  عز بسببه النصاري، كما عز اليهود في الشام بمنشَّا اليهودي، ثم صودر، ثم طلب العفو فعفا عنه العزيز وأعاده على ألا يقرب النصارى، ثم ضربت عنقه في المحرم  عام 387هـ. وأخباره مفرقة في كتب التاريخ في أثناء الحديث عن العزيز، وانظر على سبيل المثال: اتعاظ الحنفا للمقريزي، (1/293)، (2/8).

أضف تعليقك