أغاريد البلبل: تصدير البهجة وتعزيز الهوية في شعر سعد مصلوح “الرؤية والأداة” بقلم: أ.د. مصطفى محمد أبو طاحون

21106598_1733809776915188_6161488854066212319_n

أ.د. مصطفى محمد أبو طاحون

كلية الآداب – جامعة المنوفية

   عُرِفَ الدكتور سعد مصلوح أكاديميًّا مرموقًا ولسانياً متعمِّقًا دقيقًا، ورائدًا  لدراسات الأسلوب: تطبيقًا وتنظيرًا بالساحة العربية .. وقليلون هم من يعرفونه شاعرًا، رصين الأسلوب، دقيق المعنى، منتميًا لتراث أمَّته وفكرها الأصيل… فهو واحد من قلة جمعت بين التجديد والريادة فى العلم والإبداع بالعصر الحديث.وفى ديوانه (خطوات على الأعراف) بأقسامه الثلاثة، تجيء “أشعار للأطفال” بقسميْها : واسطة عقد، يسبقها شعرُ الديوان وتتبعها ضميمتُه ، متمثلة فى مطارحات ومساجلات شارك الدكتور غيرَه فيها. أما قسما أشعار الأطفال، فهما:

  • من شعر الطفولة الأولى، نظمه “مصلوح” ما بين العاشرة والثانية عشرة من عمره . وهو ثلاثة نصوص.
  • نصوص أسماها “مصلوح” (شيخ فى عالم الطفل) وهو تسعة نصوص إجماليها مجتمعة (172) ما بين بيت وسطر.
م النص(القصيدة) أبياته القيمة الرسالية الوزن القافية ملاحظات
1 الصلوات الخمس 7 تعليمي (الإيمان) مجتث ـاءْ القسيم الأول (من شعر الطفولةالأولى) الأولى)

 

2 الخائن (من شعر الحيوان) 9 تعليمي (الأخلاق) رجز متنوع
3

 

من أعان سواه أعانه الله

 

19

 

تعليمي (الأخلاق)

 

م.رجز

 

متنوع

 

1 أول يوم في المدرسة 9 تعليمي متدارك متنوع القسيم الثاني (شيخ فى عالم الطفل)
2 في المسجد 7 إيماني/أخلاقي متدارك ـاني
3 نحن الألوان 21 خيالي /تعليمي متدارك متنوع
4 صباح الخير 8 وطني م الوافر متنوع
5 حكايتي مع جدي 9 تعليمي مجتث متنوع
6 أغنية العصفور الطليق 9 الحرية م الوافر ـاني
7 عَلَمٌ واحد 19 وطني /أخلاقي متدارك متنوع
8 في رمضان 16 تعليمي (الإيمان) متدارك متنوع
9 اللعب مع الصحبة أجمل 39 تعليمي(الأخلاق) متدارك متنوع
الإجمالي 172 77 بيتًا، 95 سطرًا

20597535_10214426208269115_8918445059896167449_n

يعلق “مصلوح” فى تواضعٍ يتلبَّسه دومًا تأثره بالرائديْن ؛ الهِرَّاوي وشوقي فى هذا الشعر ، فيقول:

(الفرق ظاهر بين طفل يكتب للأطفال شعرًا، وشيخ يحاول أن يتخذ إلى عالم الطفل سبيلا، مهاده الحب، وغايته اجتذاب الطفل إلى العربية وفنها الأول؛ ألا وهو الشعر، وفى ما يأتي نماذج  من هذين النوعين، من محاولاتي كتابة شعر للطفل.. يضح فيها التأثر الظاهر بالشيخ الهِرَّاوي .. وبمنجز .. شوقي) “خطوات على الأعراف، سعد مصلوح، 103، دار البشير للثقافة والعلوم بالقاهرة، الطبعة الأولى 2017”.

.. والفارق الزمني بين القسيمين بعيد جدًا؛ إذ نظم الثاني منهما فى العشر السنين الأخيرة الفائتة، ما يعني تجاوز الستين عامًا فاصلة بين القسيمين، على أن التباين الفني بينهما ليس لافتًا وتصعب ملاحظته، ولئن تطوَّر فنُّ الثاني وارتقى.. فلم يكن الأول إلا شعرًا رساليَّا هادفًا، استوفى كافة اشتراطات شعر الأطفال، من وضوح الهدف، وسلامة اللغة وجمالها مع بساطتها وخفة الإيقاع ومناسبته.

ومع أن تباين المدى الشعري بين القسمين (الأول “35” بيتًا فقط) مما يصعب مسألة المقارنة، فقد بدا أن الغاية التعليمية لتعزيز الإيمان والأخلاق، مشتركة بينهما، بحيث بدت ثلاثة نصوص الأولى كالقاعدة ارتكزت عليها نصوص الثاني، فعمقتها وجرت على نهجها مع شيء من إنضاجٍ وتطوير ورحابة رؤية وتنويع إطار.

في القسم الأول: تناولَ الإيمانَ (الصلوات الخمس) والأخلاق، عبر قصة رمزية على لسان الحيوان (الخائن) تؤسس لاستبشاع مآل الخائن وتستهجن مسلكه الأناني الشائن، ويعرض نص(من أعان سواه أعانه الله ) للقيمة المقابلة، للتعاون وتصدير البهجة للآخرين، والنصّان دالان على مبدع، هو فى مسيرته الحياتية ، المهنية، الإجمالية.. يعين الجميع ويبذل لهم من روحه وماله، ويكره الخيانة والخائنين.

ومما يحسب بحق لمصلوح التفاته الباكر لشين مسلك (الخائن) في هذا السن المبكر جدًا، لهذه القيمة المجردة ، التى يتأبى استيعابها الآن على بعض البالغين.. إنها المروءة .. تتجسَّد، والوعي يتأصَّل.

وفى مقابل تباين مواقف الأدباء والنقاد بشأن جمالية الفن والأدب وساليتهما؛ إذ يرفض بعض هؤلاء أن يكون للأدب رسالة أو هدف يتغيَّاهما المبدعُ من وراء إبداعه، فإنه يكاد يكون إجماعٌ على ضرورة رسالية أدب الطفل، فهو أدب تعليميٌّ بالمقام الأول.. فى بلادنا الآن (على الأقل). وقد عُنِيَ “مصلوح” بالجانب التعليمي بشعره للأطفال، على مسارات: العلم والإيمان والأخلاق.. كما اهتم جدًا بقيم الحرية والتعاون، وعني بالوطن والوطنية.

وفي مطلع نصوصه (الصلوات الخمس) يبدو التبريز في الجانب التعليمي مصاحبًا للفتى “مصلوح” منذ يفاعته، ذلك حين أبرز ماهية الصلاة بالمفتتح ، فقال : (105)

إني أُقيم صلاتي
صبحٌ وظهر وعصر
فَصُبْحُها ركعتان
خمسًا لرب السماء
ومغرب وعشاء
عبادة ودعاء

ومع وضوح الغاية من التعبد بالصلاة فى العجر الأول، فإن الفتى الموهوب .. ذا النبل المعهود، يختم نصه بوعي إيماني مبكر يحسد عليه، ذلك حين جعل العبادة كلها لله، طمعًا فى مرضاته ومثوبتة فقال:

يا رب فاقبلْ صلاتي             واجعل رضاك الجزاء

والقدرة على نظم ما يتصل بالدين، ويرتبط بالتقنين لعبادةٍ فى استيعاب ودقة .. ملمحٌ مبهر، دالٌّ بذاته على مبدع مُنْتَمٍ.. لم تنل منه عوادي الزمن! .

وفى نصه (الخائن) يبدو تأثر “مصلوح” بشوقي، وبما تأثر به الأخير ذاته بلافونتين، وبما كان في كليلة ودمنة، حين عمد إلى  استنطاق الحيوان لإبداع الحكمة.. ليؤسس لأن أيَّة أمَّة مهما ضعفت وهانت (الكلاب) فإنه يمكنها ما اتَّحد صفُّها وصحَّت عزيمتها ووعت عدوَّها واختفى الخونةُ من صفوفها – يمكنها أن تفتك بعدوها.. وربما كانت الخيانة الداخلية مِعْوَانَ غدر الآخر الخارجي وسبيلَ الهزيمة دومًا؛ يقول بالمفتتح : (الديوان 106)

يحكون أن أمة الكلاب
فالتأم الجميعُ فى بيت الملك
فانسلَّ منهم خائنٌ وذهبا
وكل ما يبغيه بيع الذِّمَّة
تهيَّأت للفتك بالذئاب
ونصبوا لعصبة الشرِّ الشَّرَك
إلى العِدَا وهو يهزُّ الذنبا
بلقمةٍ دنيئةٍ أو عظمة

قاصدًا بالمقطع إلى استخلاص حكمة، صاغها فى إطارٍ رصين، يمكنه أن يسهم فى ربط الطفل بعيون شعرنا الأصيل، يقول بالمختم:

“من ابتغى عصبَتَهُ رَمِيَّة        لسهمه كان هو الضحية”

ويتمثل الجانب التعليمي على نحوٍ أوضح فى نصه (من أعان سواه أعانه الله) وعتبة العنوان دالة ، وصالحة بذاتها لأن تكون من محفوظات الطفل الهادفة.. يعرف (مصلوح) فى النص بكمٍّ وافر من الطيور وبعض الحشرات، ووظائفها.. قاصدًا من هذا كله عبر رمزية شفيفة إلى التأسيس لقيمة التعاون فى نفوس النشء .. يقول ( وقد قدم لصعوبة زواج! الفراشة بالشحرور، وامتناعه لِلْفَاقَةِ والإعْسَار) كاشفًا عن تعاون الجميع لإتمام الزواج (الديوان 108) :

.. فانطلق الشحرور
هذا يقول: إني
أما الصديق الثاني
وهمَّتِ اليَرَاعَه
تقول: يا أخيار
وأقبلت على عجل
تقول لليراعه
وأنا يا أحبابي
يتبعه الصرصور
فى عُرْسِكِ المغَنِّي
فعازفُ الكَمَانِ
برَّاقَةً لَمَّاعه
وبي تُنَارُ الدار
ذاتُ الرحيق والعسل
وسائر الجماعة:
أجُودُ بالشرابِ

والحق أن مقاصدية التعليم بارزة بشعر (مصلوح) للأطفال، فهو معلم بالفطرة، من قديم.. يوم كان طفلاً .. ومن الحق أيضًا أن للتعليم ذاته مقاصديات تجلَّت واضحة بنهاية (أول يوم فى المدرسة (الديوان 111) إذ يقول:

أتعلَّم كي أكتب إسمي
ولأقرأ قصةَ أجدادي
وأخُطُّ على ورق الرسمِ
وألوِّنَ أعلامَ بلادي

وبالنص فإن الهدف من التعليم ، يكمن فى:

أولا: اكتساب العلم (أكتب، أقرأ..)

ثانيًا: تعزيز الهوية (قصة أجدادي..)

ثالثًا: تنمية الوطنية (أعلام بلادي)

رابعًا: الترويح والاستمتاع بالفن (أخط على ورق الرسم، ألوّن) وبمدونة شعر “مصلوح” للأطفال، يتجلَّى المسجد واحدًا من أهم مصادر التعليم .. والتربية، حين يؤصِّل فى نفس الطفل ، قيم: العفو، وحبّ الخير، والحرية والكرامة، ومواساة المُعْوَزِين، والتأسيس لكون هذه القيم هى من مكمِّلات الإيمان، المسجد المصلوحي يؤسسُ لبناء الإنسان حرًّا كريمًا فى ذاته.. ونافعًا لغيره، يقول (مصلوح) فى نصه” فى المسجد” ( الديوان112 ):

علَّمَنِي المسجدُ أن أعفو
أن أحيا حرًّا وكريمًا
وأواسي بالعون فقيرًا
أن أزرع بالخير طريقي
وأحبَّ الخيرَ لِجِيراني
وأصون حقوقَ الإنسان
يشكو أوجاعَ الحرمان
وبذلك يكمُلُ إيماني

(2)

ويعدُّ تصدير البهجة وصناعة السعادة من أهم تجليات رسالية شعر المدونة، فإدخال السرور على الآخرين من شعائر الإيمان .. وهو عند الأطفال مطلب نمو وحاجة بناء .. نفسي متسامح مرحٍ .. يعمد “مصلوح” وهو الخبير بإسعاد الآخرين – كثيرًا جدًا إلى أن يصدِّر نصُّه البهجة.. وأن يصنع السعادة ، بحيث بدَوَا وكأنهما من مقاصد إبداعه .. ومُثُل حياته.. الرئيسة.. ينتهي تعاون الطيور السابق إليها حين يُنْهِي النصَّ بقوله:

فراحت الفراشة
شاكرة الجميع
ومن يُعِنْ سواه
تهتف في بشاشة
لذلك الصنيع
أعانه الإله

(وقد أرَّخ النص فى 25/7/1954 وأنه نُشِرَ فى صحيفة (الإنذار المحلية التي كانت تصدر بالمنيا فى مصر).

إن إصرار “مصلوح” على إسعاد الطفل ، حتى فى أوقات انقباضه دالٌّ على مقاصدية اللأمر، إن المشهور فى أكثر أرجاء الأمة – الآن – أن العودة إلى الدراسة تسوء التلميذَ ، فضلاً عن بداية التحاقه الأولى بالدراسة.. إنها مأساة البيت العربي فى كثير من الأحيان .. وما ينبغي هكذا أن يكون، ولذا فإن نص (أول يوم فى المدرسة) يدشِّنُ لحالةٍ مغايرة.. إيجابية، ترى المدرسةَ صانعةَ بهجة، بحيث تحتفل الأسرة بزفاف ولدها إلى محراب العلم .. يقول ” مصلوح” (الديوان 110) بمفتتح النص:

في الغرفةِ باقاتُ زهور
والكلُّ هنا يتلقَّاني
والبيتُ تلألأ بالنور
بعبارة حبِّ وتَهَانِي

جوٌّ مُفْعَمٌ بالمرح والسرور والابتهاج لِحَدثٍ سعيد .. يتساءل عنه الطفل:

ما تلك الضجة والحفل؟                      ولماذا يجتمعُ الأهلُ؟

والجواب:

قالت أمِّي يا ولدي!
ما عُدْتَ صغيرًا كالأمس
عوَّذْتُكَ من شرِّ الحسد
وستبدأ مشوار الدرس

والمأمول الطبيعي من هذا الجو المُرْضِي، أن يكون / يقول الطفل:

ومضيتُ سعيدًا مبتسمًا          لأعِدَّ الدفتَرَ والقَلَمَا

وفى النص ما يتصل بمصادر إسعاد الطفل – وهي عندي ذاتُ مصادر إسعاد كلِّ نَفْسٍ – متمثلاً فى الإقبال على العلم وكذا السلوك البشري الإيجابي تجاه الآخر، لتكون البهجة للجميع. قد يأتلف الناس.. وكثيرًا ما يختلفون، لكنهم دومًا ينبغي أن يرسموا الفرحة للآخرين.. يقول بختام (نحن الألوان) “الديوان114”:

نأتلفُ .. معًا

نختلفُ .. معًا

لكنْ فى كل الأحوال

دومًا أصحابْ

نرسم ألوانًا للفرحة

فى أعين كل الأحبابْ

إن تحصيل السعادة للذات، وتصدير البهجة للآخر، يتأسس أيضًا على تمتع الإنسان بالحرية، فهي مصدر سعادة إنساني أصيل. يقول بختام (أغنية العصفور الطليق) “الديوان 117”:

أنا حرٌّ لماذا لا
أُسَبِّحُ واحدًا أحدًا
وأُسعِدُ بالغناء الحُلْـــ
أغني عذبَ ألحاني
كريمًا ما له ثاني
ـــــــو أحبابي وجيراني

أما وإن الإيمان أرقى مصادر السعادة، وقديمًا قال الحطيئة:

ولستُ أرى السعادةَ جمْعَ مالٍ
وتقوى الله خيرُ الزاد ذُخرًا
ولكن التقِيَّ هُوَ السعيد
وعند الله للأتقى مزيد

يقول مصلوح:

.. فى المسجد بيتِ الرحمان
والجمعةُ عيدٌ يجمعنا
بالفرحة ألقى إخواني
فى خير زمانٍ ومكان

(3)

الهُوِيَّة إذن من مرتكزات المدونة، وهي إسلامية قبل أي شيء، تتجلى هذه الهوية أحيانًا كثيرة، ابتداءً، من عتبات النصوص، كما في (الصلوات الخمس في المسجد، من أعان سواه أعانه الله، في رمضان)

ومن البين أن “مصلوح” بارع فى استنطاق الطفل ذاتِه بمفاهيم الهوية، فالطفل فاعل عاقل راشد، هو من يدِّرس الهوية، لا مَنْ يتلقَّاها ، ولذا فليس للمباشرية وجودٌ بالمدونة.. في نصه (فى رمضان) مصداق ذلك، ففي المفتتح يأرز الطفلُ إلى التأسيس لهويته الإسلامية.. يقول (الطفل) “الديوان120”:

فى رمضان

مائدةُ البيتِ

تبدو خاليةً وقتَ الصبحِ ووقتَ الظهرِ

خالية أيضًا وقت العصر

هو يؤقِّتُ لأزمان خلوِّ المائدة من الطعام بأوقات الصلوات.. لا الوجبات .. فولاؤه لدينه لا لبطنه .. ومقياسه تعبديٌّ لا شهوانيٌّ .. إذ لم يذكر فطورًا ولا غداء .. الأمر المُؤْذِنُ بتحرِّي العبادة والإقبال عليها صومًا .. وإن كان صغيرًا، بحيث تنهاه عاطفةُ الأمومة عن صومٍ هو له مريدٌ راغبٌ .. والحق أن (مصلوح) بدا ناجحًا جدًا فى تقمُّص نفسية الطفل .. ربما لحنوُّهِ المعروف على الجميع ممن يعرف ولا يعرف، وربما كان ذلك استدعاء غير واعٍ لخبرات عايشها مع آباء له كرامٍ ماجدين.. يقول كاشفًا عن / مؤسِّسًا  لمجتمع دَيِّنٍ.. عطوفٍ، صغارُه كبارٌ:

قد صام أبي وأخي الأكبر

صامت أمي وابنةُ عمي

واليوم طويل

والصوم عسيرٌ غير يسير

تمتدُّ عيوني فى شوقٍ لشطيرةِ خُبزٍ

أو كأسِ عصيرْ

إنها المجاهدة.. وربما البطولة، فالطفل ما زال صغيرًا (فى السن) على الصوم .. لكنه – لا من طريق الوعظ الممجوج، والمباشرية الفجَّة – هو من يرفض إغراءات الأمِّ، فيه العزمة والرغبة ليكون كبيرًا:

قالت أمي: / يا ولدي ما زلت صغيرًا / مالَكَ والصوم!!

وأنا أتمسَّكُ بالصوم.

وأتمُّ الصومَ إلى الليل

كي أصبح بالصوم كبيرا

(4)

   ومن جماليات المدونة، بدت تقانات: التكرار والسردية والإيقاع الراقي من أهم خصائص شعر مصلوح للأطفال.

   والتكرار في شعر الأطفال، مطلوب لتيسير التلقي، وغنائية النص بحيث يسهل إنشاده والتغني به، على نحو ما فى قوله بالديوان (115) برباعيتي المطلع والمقطع:

صباح الخيرِ يا وطني
وتاريخًا من الأمجا
.. صباح الخير أهديها
أيا وطنًا هو الأغلى
ويا أُنْسِي ويا سَكَنِي
د، مسطورًا على الزمن
ومن قلبي أغنِّيها
مِنَ الدنيا وما فيها

وإيقاع تقفية المربع يسهم تكراريًا هو الآخر فى جمال النص، بحيث بدا التغني بالوطن صادقًا ملموسًا.

ويتجلى الحوار مع السردية واضحيْن كما في (حكايتي مع جدتي، اللعب مع الصحبة أجمل)، في الأول يبدو الحوار بين الحفيد والجدة قاصدًا إلى مناقشة مشكلٍ طفليٍّ جلل ، يتمثل فى الرغبة باللعب دومًا، وعدم التوازن بين الدرس والترفيه، يبدأ النص بلسان الطفل ، كما الحال دومًا ، ليتحقق الإقتناع بالفكرة، يقول مجسِّدًا للمعضل:

الدرسُ صعبٌ طويل
هممتُ أن أتسلَّلْ
بنيَّ أين ستذهبْ؟
واللعب حلوٌ جميل
فقال جدي تمَهَّلْ
فقلت: ألهو وألعبْ

والأولوية يجب أن تكون للدرس طالما حضر وقتُه.. دون حرمان من اللعب فيما بعد.. هذه حكمة الجَدِّ والجِدِّ معًا، إذ يقول:

فقال: درسُكَ أولى
.. لِلَّهْوِ والجدِّ آنُ
فكن ذكيًّا لبيبَا
وبعدها نتسَلَّى
لكل شيءٍ زمانُ
واجعل لكلٍّ نصيبَا

وفي الثاني منهما للحوار والسرد حضورٌ أقوى؛ إذ تتعدد أطرافهما ، ويطول مداهما “النص الأطول بالمدونة” .. إن “نورة وسالم” مع والديهما يتزاورون بالتبادل مع العمِّ وولديه: (زينب وهاشم) مساء كل جمعة ، لكن هاشمًا حين يكون مُضيفًا يأبى اللعب بألعابه مع سالم!

وقد جرى حوارٌ ماتع بين سالم وأبيه، بعد سرد حالم بمفتتح النص، ولأن الراوي بالسردية الشعرية الطفلية هو (نورة) تأكيد على ملمح حضور الطفل فاعلاً بالنص لا متلقِّيًا باهتًا للنصح من والديه).. فقد جرى الحوار بالختام على هذا النحو: (الديوان 124):

ناداه أبي:

  • يا “سالم”!
  • أتحبُّ “السُّلَّمَ والثعبان”؟
  • ما أجملَها!
  • هل يمكن أن تلعبها وحدَكْ؟

    هذي اللعبةُ من غير صديق؟

  • كلاَّ! ما هذا فى الإمكان
  • فلماذا فى هذى المُتْعَةِ لا تشتركان؟

انظر ما تفعله البِنْتَان / إذ تبتسمان

لا تشتكيان وتعتركان

اللعبُ جميلٌ يا ولدي

لكن دومًا يصبح أجملْ

ما بين الصُّحْبَةِ والخِلَّان

أما إيقاع المدونة فقد اعتمد الأوزانَ الخفيفة ، والمجزوءة ، مما يناسب الطفل، وعلى المتدارك وحده جاء نصفُ الشعر بعدد القصائد بما يقارب ثُلُثَيْ الأبيات والأسطر (111 بيتًا وسطرًا) بنسبة 64.5% وعليه جرى العموديُّ وشعر التفعيلة.

ويرد مجزوءُ الوافر وكذا المجتثُّ فى نصين لكلٍّ (أبيات كليهما 17، 16 على الترتيب . ولكلٍّ من الرجز ومجزوئه نصٌّ يتيم، وكلاهما بالقسيم الأول، ما يعني أنه عزف عنه أو استبدل به المتدارك.

وإيقاع الأوزان بالمدونة رقيقٌ وخفيف.. مطرِبٌ ومُمتِعٌ، يتنوع ما بين العمودي وشعر التفعيلة ، والقافيةُ معه ما بين الرأسية الثابتة (الصلوات الخمس، في المسجد) وفيها المزدوج (أول يوم في المدرسة، حكايتي مع جدي) وكذا المربع (صباح الخير) كما بالقافية مع شعر التفعيلة نظام يتناوب فيه الرويُّ مع غيره ، على نحوٍ متناغم، كما في (عَلَمٌ واحد) “الديوان119” إذ يقول:

ونشيدُ الوطن يدوِّي فى كلِّ مكان

فالكلُّ صفوف

والكلُّ وقوف

ما عاد هنالك عَلَمَان

بل علمٌ واحد

يعلو ويزيِّنُ كلَّ مكان

ويرفرف فى الأفقِ العالي

عنوانًا للوطنِ الغالي

ومن البيِّن أن الجملة بالمدونة بسيطةٌ ودقيقة، يسهل على الطفل المتلقي أن ينشدها ويقف على دلالتها بيسر، وهو أمر يتوافق مع المقاصدية التعليمية  فى شعر الطفل.. وأحياناً ماجاء التقسيم الموسيقي / التركيبي بالأبيات داعمًا لإيقاعها ووضوح دلالتها وسهولة إنشادها، كما فى مفتتح (أغنية العصفور الطليق) وفيها، يغرِّدُ العصفور  (الديوان117):

سماءُ الله أوطاني
نهاري طائــــــرٌ مَرِحٌ
وأرضُ الله بستاني
وليلي هادئٌ هاني

فى كل بيت يتوازن الشطران ، اعتمادًا على تكرير تركيب الصدر بالعجز واتَّكاء على تقانة المقابلة فى مفاتح الأشطر.. (سماء، أرض .. نهاري، ليلي) .. وكذا على تجانس ثلثي العَجُز الثاني (هادئ، هاني).

أما التقانة الأبرز بالبيتين  فتكمن فى التقسيم، المسعِفِ على التغني والإنشاد، والتقسيم ثلاثيٌّ، وبالثاني ومع جريان النص على مجزوء الوافر (مفاعلتن مفاعلتن) فإن التقسيم ، أحدث تناغمًا بحيث توازى كلُّ دالٍّ مع مناظره بالشطر الآخر.. على زنة عروضيةٍ بعينها، لئن لم تكن (مفاعلتن) فقد جاءت عروضية على كل حال، على هذا النحو:

نهاري / طائر / مرح
//O///  – O//O/  – O/O
فعولن   / فاعلن  / فعِلن
وليلى  / هادئ  / هاني
//O///  – O//O/  – O/O
فعولن  / فاعلن  / فعلن

وبعد.. فإن شعر مصلوح للأطفال يقف شاهدًا على أصالة الموهبة ، ونبل المقصد، وجمال البناء، مقرِّرًا فى جلاءٍ أن الإبداع الشعري سيظل رافدًا خطيرًا من روافد استنهاض الهِمَّة وبناء الإنسان.

___________________

د. مصطفى أبو طاحون

14/9/2017

 

أضف تعليقك