تحديات تعليم اللغة العربية في التعليم العام – د. محمود أحمد السيد

نحاول في هذا البحث الموجز أن نتعرف بعضاً من تحديات تعليم اللغة العربية في التعليم العام، وأن نسلّط الأضواء على أبرز هذه التحديات كما تتبدّى لنا، وأن نقدّم عدداً من التوصيات الرامية إلى مواجهة هذه التحديات.

أولاً- من تحديات تعليم اللغة العربية في التعليم العام

في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي عقدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) عام 1974، اجتماع خبراء متخصصين في اللغة العربية في عمان بالأردن للبحث في مشكلات تعليم اللغة العربية في التعليم العام، وقد رتّب هؤلاء الخبراء هذه المشكلات ترتيباً تنازلياً في ضوء تفاقمها وحدتها بناء على استبانات كانت قد وزّعت على الصعيد العربي، فأبانت نتائجها بعد المعالجات الإحصائية أن ثمة خمس عشرة مشكلة رئيسة يعاني منها تعليم اللغة العربية في التعليم العام، وهذه المشكلات هي:

ترتيب المشكلة

نوع المشكلة

1 عدم عناية مدرسي اللغة العربية وغيرهم من مدرسي المواد الأخرى باستخدام اللغة العربية الفصيحة.
2 منهج تعليم اللغة العربية لا يخرّج القارئ المناسب للعصر.
3 عدم توفر قاموس لغوي حديث في كل مرحلة من مراحل التعليم العام.
4 الافتقار إلى أدوات القياس الموضوعية في تقويم التعليم اللغوي.
5 قلة استخدام المعينات التطبيقية والتقنيات الحديثة في تعليم اللغة.
6 ازدحام النحو بالقواعد وكثير منها ليس وظيفياً.
7 صعوبة القواعد النحوية واضطرابها.
8 افتقار طرق تعليم القراءة للمبتدئين إلى دراسات علمية.
9 الانتقال الفجائي في التعليم من عامية الطفل إلى اللغة الفصيحة.
10 اضطراب المستوى اللغوي بين كتب المواد، بل بين كتب المادة الواحدة في الصف الواحد.
11 دراسة الأدب والنصوص لا تصل التلميذ بنتاج حاضره وتراث ماضيه وصلاً يظهر أثره في حياته.
12 طغيان الماضي على الحاضر في تدريس الأدب.
13 نقص عدد المعلمين المتخصصين وانخفاض مستواهم.
14 بعد اللغة التي يتعلمها التلاميذ في المدارس عن فصحى العصر.
15 صعوبات الكتابة العربية.

تلك هي المشكلات الأساسية التي أشار إليها اجتماع الخبراء المتخصصين في اللغة العربية، وثمة مشكلات فرعية لم تصل إلى مستوى المشكلات الأساسية أشار إليها بعضهم، وقد تمثلت في الآتي:

  • تعدد الجهات التي تقوم بإعداد معلمي اللغة العربية واختلاف مستوياتها.
  • قلة الدراسات العلمية التي تتخذ أساساً لبناء المناهج وإعداد الكتب المقررة.
  • ضعف العناية بتطبيق الطرائق التربوية الحديثة في تعليم اللغة.
  • قلة المناشط المدرسية المتعلقة باللغة، وعدم اهتمام المتعلمين بها.
  • عدم تقديم الميزانيات الكافية للمناشط الثقافية واللغوية.
  • قلة ربط التعليم اللغوي بالثقافة العامة، وضعف الوسائل المتخذة لذلك.
  • عدم كفاية الجهود التي تبذلها المؤسسات المعنية باللغة العربية، وعدم التنسيق بينها.
  • عدم توفر مواد القراءة الحرة للتلاميذ في مختلف المراحل.
  • اختلاف قواعد الإملاء التي يتعلمها الطلاب في البلاد العربية، وقصور هذه القواعد في ربطهم بالرسم القرآني.
  • كثرة توصيات المؤتمرات الخاصة بالنهوض بتعليم اللغة العربية وعدم الجديّة في تنفيذها.
  • تأثير وسائل الإعلام على الجهود التي تبذلها المدرسة في تعليم اللغة.
  • الضعف العام في خطوط التلاميذ، وعدم العناية بإعداد مدرسي الخط العربي.

ويبدو أن هذه التحديات أساسية كانت أو فرعية ما تزال في أغلبها ماثلة أمامنا، ونحن في العقد الثاني من الألفية الثالثة، وإن لم توضع خطة لمعالجتها بالأساليب العلمية الجادة فستبقى حائلة دون تحقيق الأهداف المرسومة لتعليم اللغة العربية وتعلمها.

ثانياً- من أبرز تحديات تعليم اللغة العربية في التعليم العام

ثمة تحديات يواجهها تعليم اللغة العربية في التعليم العام، بعضها يتعلق بالعملية التعليمية في داخل المدارس، وبعضها يتعلق بالبيئة الخارجية وطبيعة العصر الذي نحيا تحت ظلاله. وفيما يأتي بيان ببعض هذه التحديات على الصعيدين الداخلي والخارجي.

  • بعض التحديات الداخلية

من التحديات التي يواجهها تعليم اللغة العربية على المستوى الداخلي القصور في من يقوم بتعليم هذه اللغة اختياراً وإعداداً وانتماءً وممارسة وضبابية للأهداف في الأذهان، والقصور في بناء المناهج على أسس علمية، وتخلف في طرائق التدريس المتبعة، وفقر في استخدام التقنيات التربوية، وقصور في أساليب التقويم المتبعة في قياس الأداء اللغوي.

أ- القصور في أداء المعلمين: في خمسينيات القرن الماضي وستينياته كان يلتحق بمعاهد إعداد المعلمين وكليات التربية على الصعيد العربي المجلّون في امتحاناتهم في الشهادة الثانوية في الأعم الأغلب. وفي أيامنا نلاحظ أن من يلتحق بهذه المعاهد والكليات هم من سدّت في وجوههم أبواب الكليات الأخرى في الأعم الأغلب، وإذا هم ينتسبون إليها مكرهين ومضطرين، لا عن رغبة واقتناع وحماسة على النحو الذي كان عليه سابقاً.

وفي إعدادهم وتأهيلهم لممارسة مهنتهم المستقبلية لم يكن هذا الإعداد ولا ذاك التأهيل في المستوى المرغوب فيه، وكان التخصص التربوي يطغى أحياناً على التخصص في المادة، كما أن ثمة هوة أحياناً بين ما أُهّلوا له وما يمارس على أرض الواقع، فغابت الوظيفية والنفعية الاجتماعية من موادّ درسوها، ولم يمارسوها في عملهم المستقبلي.

وثمة شكوى وعدم رضا عن المهنة التي انتمى إليها هؤلاء المتخرجون في تلك المعاهد والكليات، إذ لا انتماء لدى بعضهم يعتزّ به في الأعم الأغلب. وفي أثناء ممارستهم لعملهم يلاحظ عدم تمثلهم للأهداف المرسومة لدروسهم، وقد انعكس ذلك سلباً على المحتوى وطريقة التدريس وأساليب التقويم. وطالما استرسل بعضهم في الالتفات إلى جانب على حساب بقية الجوانب، وإذا درس النصوص يتحول إلى قواعد نحوية، ودرس القراءة يتحول إلى ميكانيزم للقراءة دون الأخذ بالحسبان الأهداف الأخرى من فهم وتمثل ونقد وتقويم وتوظيف… الخ.

وتوفّر القدوة الحسنة من المعلمين في استخدامهم اللغة السليمة يساعد أيما مساعدة على تكوين المهارات اللغوية، ولكن من الملاحظ أن لغة المعلمين في الأعم الأغلب ليست هي اللغة المثالية في صحتها وسلامتها وخلّوها من الأخطاء، فضلاً عن ممارسة بعضهم للهجة العامية في شرح دروسهم، ولا يقتصر هذا الاستخدام على معلمي المواد الأخرى غير العربية، وإنما جاوزه إلى معلمي اللغة أنفسهم، وهذا لا نلاحظه في تعليم اللغات الحية عند الأمم الأخرى، فمعلم الرياضيات في فرنسا تَحمر وجنتاه، ويتطاير الشرر من عينيه عندما يخطئ الطالب في أثناء حل المسألة الرياضية خطأ لغوياً، ويقول له: إن خطأك في لغتك يا بني أدهى وأمر من خطئك في حلّ المسألة الرياضية كما يشير إلى ذلك المربي Pierre Clarac في كتابه «L’ enseignement du francais».

كما أن المجلس القومي لمدرسي اللغة الإنجليزية أصدر قراراً مفاده أن على كل من يودّ أن يكون مدرساً عليه أن يكون معلماً للغة الأم أولاً.

ومن الملاحظ على نطاق الساحة العربية أن المتعلمين عندما يعبّرون عن رغباتهم وميولهم واهتماماتهم يستخدمون العامية في الأعم الأغلب، ولا يعمل معلموهم على تشذيب لغتهم، وإسباغ ثوب الفصيحة عليها في الأعم الأغلب.

ب- القصور في بناء المناهج واختيار المحتوى: إن بعضاً مما تتضمنه المناهج لا صلة بينه وبين الحياة النابضة الزاخرة من جهة، ولا صلة بينه وبين عقل المتعلم وشعوره وعاطفته من جهة أخرى، وهذا ما يجعل المتعلمين يهربون من لغة هذه النصوص بطريق غير مباشر. كما أن المماحكات والتأويلات في المادة اللغوية النحوية التي تدرّس في مدارسنا تعدّ سبباً من أسباب نفور المتعلمين من اللغة، وما دامت المادة اللغوية غير ملائمة لمراحل النمو العقلي ولا تلبّي حاجات المتعلمين واهتماماتهم، ولا تراعي ميولهم ورغباتهم، أحجموا عنها وعزفت نفوسهم بسبب عدم استثارتها لدافعيتهم.

ومن هنا كانت عملية بناء المناهج اللغوية على أسس علمية من الأهمية بمكان، إذ لابد من تعرف حاجات المتعلمين ورغباتهم وميولهم واهتماماتهم بالأساليب العلمية، ولابدّ في الوقت نفسه من تعرف المناشط اللغوية في المجتمع من حيث تواترها واستعمالاتها في ضوء الأساليب العلمية أيضاً، وتعرف أساسيات المادة من وجهة نظر الخبراء والمتخصصين على أنها مصدر ثالث في بناء المنهج، وعلى أن يكون ثمة تكامل بين هذه المصادر.

وقد يبدو أن اتخاذ متطلبات العصر وحاجات المجتمع أساساً في بناء المنهج قد يختلف عن الاتجاه الرامي إلى مراعاة حاجات المتعلمين وميولهم، ولكن الواقع يدل على أن كلاً منهما يرتبط بالآخر ارتباطاً وثيقاً، إذ يأخذ الأساس الأول في الحسبان مسؤولية المتعلم على أنه مواطن بالغ، ويهتم بالمشكلات التي سيواجهها في المستقبل، في حين أن الاتجاه الثاني يهتم بواقع المتعلم والكشف عن حاجاته وميوله، والعمل على إشباعها وتنميتها بطريقة تتيح له أفضل نموّ ممكن على أنه مواطن مسؤول في المجتمع.

ونظراً إلى أن أساسيات المادة هي المصدر الذي نستمد منه ما يفيدنا في تحقيق النمو الذي يساعد في عملية التكامل وصولاً إلى الأهداف المتوخاة، كان لابد من الأخذ بالحسبان أن الاعتماد على هذا المصدر إنما يعد متمماً ومكملاً للوحدة العضوية السابقة لا بل هو منها في الصميم.

فالبدء بواقع المتعلمين وميولهم الحالية من أجل هدف غير محدد لا على أساس المادة وتطورها، ولا على أساس المجتمع ومتطلباته في المستقبل، معناه بداية صحيحة ولكن إلى ضياع !

ومن هنا كان تعدّد المصادر التي ينبغي أخذها بالحسبان جملةً عند وضع المنهج هو المعوّل عليه في عملية بناء هذا المنهج، ولا يعد ذلك بعثرة للجهود، بل على العكس من ذلك ما هو إلا نسق متصل يكمل بعضه بعضه الآخر، وبناء متراص يساعد بعضه بعضه الآخر.

ج- تخلّف طرائق تعليم اللغة وتعلمها: تعد طريقة التدريس ركناً أساسياً في تنفيذ المنهج، ولها أهمية كبرى في تشويق المتعلمين وجذبهم إلى المادة واستساغتهم لها، ومن ثم تمثلها واستيعابها واستخدامها في مواقف الحياة، والمعلم لا يعلّم بمادته فقط، وإنما بطريقته وأسلوبه وشخصيته وعلاقته مع المتعلمين، وما يضربه لهم من مثل أعلى وقدوة حسنة.

والمعلم الذي يقولب نفسه في طريقة واحدة يلتزمها في دروسه كافة، هو معلم محكوم عليه بالإخفاق، ذلك لأن الطريقة لا تصنع المعلم، وإنما هو الذي يبتكرها ويستخدمها ويكيّفها وفق الأجواء والمستويات التي يتفاعل معها، ولا شيء يعمل على تحنيط المعلم وتجميده وشلّ قواه مثل إلزامه باتباع طريقة معينة على أنها هي المثلى والفضلى، إذ لا يمكن الحكم على فعالية أي طريقة إلا بالتجربة العلمية المنضبطة، لذا كان التعصب لأي أسلوب تعليمي والتحيّز له من غير القيام بأي تجربة تثبت فعالية أمراً بعيداً عن الموضوعية والأسلوب العلمي.

ومن الملاحظ أن طرائق تعليم لغتنا لا تعمل على تكوين المهارات اللغوية لدى المتعلمين بسبب غلبة الطرائق الإلقائية التلقينية في الوقت الذي نرى فيه أن اكتساب المهارة اللغوية يحتاج إلى الممارسة والتكرار والمران المتعدد، على ألا يكون التكرار آلياً ببغائياً، وإنما مبني على الفهم وإدراك العلاقات والنتائج، إذ من دون الفهم تغدو المهارة آلية لا تعين صاحبها على مواجهة المواقف الجديدة وحسن التصرف فيها، كما يحتاج اكتساب المهارة إلى توفر القدوة الحسنة من المعلمين الذين يمارسون اللغة بصورة صحيحة وسليمة.

ومن القصور في طرائق تعليم لغتنا:

  • عدم التدرج في تقديم المهارات اللغوية، إذ إن المحادثة ينبغي لها أن تسبق القراءة والكتابة، على أن يجري تعليم القراءة والكتابة من الرصيد اللغوي الذي تمّ التدريب عليه في المحادثة.
  • تقديم المصطلحات النحوية في المراحل المبكرة من تعليم اللغة مما يؤدي إلى النفور من اللغة، والإحساس بصعوبتها.
  • غياب التركيز على الأنماط اللغوية والبنى اللغوية في المراحل المبكرة بحيث يكتسبها المتعلم بصورة عفوية من غير الدخول في المصطلحات النحوية على أن تعرض هذه المصطلحات في مراحل لاحقة.
  • البدء بتعليم القراءة من دون المرور بمرحلة الاستعداد لها، مما يشكل صعوبة في تعلمها، ذلك لأن مراحل تدريس القراءة خمس تبدأ من مرحلة الرياض وتمتد حتى نهاية المرحلة الثانوية، على أن تكون مرحلة الرياض هي تنمية للاستعداد:
  • الاستعداد للقراءة في البيت والرياض من مثل مهارة تمييز المسموع ومهارة التمييز البصري، ومهارة التمييز السمعي البصري، والمهارات البصرية الحركية … الخ.
  • البدء في تعليم القراءة ويجري في الصف الأول من مرحلة التعليم الأساسي.
  • التوسع في القراءة ويمتد من الصف الثاني إلى الصف السادس.
  • مرحلة توسيع الخبرات وزيادة القدرات والكفايات وتمتد حتى نهاية الصف التاسع.
  • مرحلة تهذيب العادات والأذواق والميول في المرحلة الثانوية.

بيد أنه لا توجد حواجز بين مرحلة وأخرى، إذ يمكن للمعلم أن يبدأ بتعليم القراءة للطفل وهو في الروضة إذا كانت قدراته تسمح له بذلك، وكان الدافع متوفراً لديه، ولكن الخطورة تكمن إذا أكره الطفل على تعلم القراءة وهو غير مستعدّ لها.

  • عدم الانطلاق من لغة المتعلمين: وهذا يتنافى مع المبدأ التربوي في الانتقال من السهل إلى الصعب، إذ إن الانطلاق من لغة المتعلمين وخبراتهم بعد إسباغ الفصيحة على لغة المتعلمين يساعد كثيراً على اكتساب اللغة، ولا يحس المتعلمون بالصعوبة في الانتقال من العامية إلى الفصيحة.
  • الإخفاق في غرس الشغف بالقراءة ومحبتها في نفوس المتعلمين، ومردّ هذا الإخفاق إلى عدة أسباب منها ما يتعلق بالمادة المقروءة، ومنها ما يتعلق بطريقة التدريس، ومنها ما يتعلق بعدم توفر القدوة الحسنة من المعلمين والأهل.
  • الإخفاق في إكساب المتعلمين مهارات التعلم الذاتي في الاعتماد على أنفسهم في مواصلة التعلم، والإحساس بالمتعة عند الحصول على المعلومة.
  • الإخفاق في تكوين وحدة اللغة في أثناء تعليم المهارات اللغوية، إذ إن القواعد النحوية ليست هدفاً في حدّ ذاتها، وإنما هي وسيلة لتقويم القلم واللسان من الاعوجاج والزلل، وقواعد الإملاء هي وسيلة لتقويم القلم من الخطأ في الكتابة، والقراءة والنصوص وسيلتان لتزويد المتعلم بالثروة اللفظية والقوالب اللغوية والمعاني والصور والأخيلة ليستخدمها في تعبيره الشفهي والتحريري، وعندما تتحول الوسيلة إلى هدف وغاية يغيب الهدف المرجو من تعليم اللغة وتعلمها.

د- قلة المناشط اللغوية التي يمارسها المتعلمون إن في داخل الصفوف بسبب سيطرة الطرائق التلقينية الإلقائية، أو في داخل المدرسة من كتابة اللافتات والإعلانات والكتابة في الصحف المدرسية والمجلات، والانتساب إلى فرق التمثيل، وممارسة النشاط في الإذاعة المدرسية والمنتديات الأدبية والمناظرات … الخ، أو في خارج المدرسة أيضاً.

وغاب عن الأذهان أن تكوين المهارة اللغوية يتطلب المران والتدريب والممارسة المستمرة، وأن قلة هذه الممارسة تعد تحدياً بارزاً في تعليم اللغة العربية وتعلمها.

هـ- الفقر في استخدام التقنيات الحديثة: لوسائل الإيضاح دور كبير في تقريب المفاهيم إلى الأذهان وخاصة في المراحل الأولى من تعليم اللغة، ولا يخفى الدور البارز الذي تحتله التقنيات التربوية الحديثة في مجال تعليم اللغات والنقلات الهائلة التي أحدثتها في هذا المجال من حيث التعلم الذاتي والتفاعل الإيجابي مع البرامج اللغوية عبر المخابر اللغوية والحواسيب والشابكة (الإنترنت) بحيث غدا التعليم الالكتروني سمة من سمات العصر الحاضر، وساعد المتعلمين على تنمية المهارات اللغوية واكتساب مهارات التواصل مع المعلمين والزملاء، وإثارة الدافعية والاهتمامات، وحفزهم لابتكار أنشطة لغوية واكتساب القواعد الإملائية والنحوية، وتوفير تدريبات لغوية كافية ومتنوعة، وتكوين اتجاهات إيجابية … الخ.

وساعد التعليم الالكتروني المعلمين على متابعة تقدم المتعلمين وتقويم مستواهم وتقديم التغذية الراجعة ومناقشة أفكارهم، والتواصل مع أولياء الأمور، واستخدام التعزيز المناسب في الوقت المناسب، وتنظيم محتوى المناهج بصورة مترابطة ومتدرجة.

و- القصور في أساليب التقويم: ما يزال التقويم في الأعم الأغلب يقتصر على الحفظ والتسميع ومحاسبة المتعلم إن هو خرج عما هو موجود في الكتاب، ولا يقيس التقويم إلا المستوى الأول من مستويات المعرفة ألا وهو الحفظ والتذكر والاسترجاع. أما بقية المستويات متمثلة في الفهم والربط والتحليل والتركيب والنقد والتفاعل والتوظيف فلا تحظى بالعناية والاهتمام الكافي. كما أن التعبير الشفهي والمحادثة يتعرضان إلى الإهمال في القياس غالباً.

  • بعض التحديات الخارجية:

لم تقتصر التحديات التي يواجهها تعليم اللغة العربية في التعليم العام على البيئة الداخلية في داخل المدارس، وإنما جاوزت ذلك إلى خارجها، ومن التحديات الخارجية:

  • البيئة الملوثة لغوياً:

لما كانت الخبرة التي يكتسبها المتعلم هي نتيجة التفاعل بينه وبين البيئة، كانت البيئة اللغوية التي يحتك بها المتعلم ينبغي لها أن تتسم بالصفاء والنقاء حتى يكتسب المتعلم الخبرة اللغوية النقية والسليمة. ولهذا كان أجدادنا القدماء يرسلون صغارهم إلى نجد في وسط الجزيرة العربية حتى يستمعوا إلى اللغة النقية، ويمتصوا السلامة من هذه البيئة البعيدة عن التلوث اللغوي.

أما لغة البيئة التي يتفاعل معها المتعلمون حالياً فهي أبعد ما تكون عن السلامة والنقاء، فها هي ذي العامية والهجين اللغوي والمفردات الأجنبية تسود في البيت والشارع، وفي المسلسلات التلفزية، وفي العروض المسرحية، وفي اللافتات والإعلانات، وفي الساحات العامة، وعلى المحال التجارية والخدمية السياحية، ونادراً ما يستمع المتعلم إلى اللغة السليمة التي تعد تعزيزاً للغة التي يكتسبها في أجواء المدرسة، إذا افترضنا أن ما يكتسبه المتعلم في أجواء المدرسة سليم لغوياً، وهو غير ذلك كما سبقت الإشارة؛ بيدَ أن التلوث اللغوي يحيط بالمتعلم في خارج ميدان المدارس في الوقت الذي يؤكد فيه أن للتعزيز الخارجي دوراً هاماً في اكتساب الخبرات اللغوية السليمة إذا ما كان هذا الجو الخارجي يتسم بالنقاء والصفاء في لغته.

  • الجانب المظلم من العولمة:

إن ثقافة الأقوياء هي التي تجتاح العالم وتؤثر في ثقافات الشعوب ولغاتها، فتعمل على خلخلة الانتماء للغة الأم، وتصاب هذه الشعوب أمام الثقافات القوية الغازية بالانبهار وتقويض أركان التماسك الاجتماعي وإضعاف الانتماء إلى تراث الأمة، واللغة هي مستودع ذلك التراث، إضافة إلى توسيع قاعدة الاغتراب، والإحساس بعقدة التصاغر تجاه الثقافة الأجنبية.

وتحاول العولمة ابتعاث كل القيم السلبية التي تفتت بنية المجتمع، ووأد كل القيم الإيجابية التي تحفز على تقدم المجتمع وارتقائه. ولما كانت اللغة الأم العربية الفصيحة توحّد بين أبناء الأمة الواحدة، وفي وحدة العرب قوة لهم، كان لابد من أن تعمل على تفتيت هذا الرابط، وذلك باعتماد العامية لأنها عامل تفريق من جهة، ووصم العربية بالتخلف وعدم مواكبة روح العصر، عصر العلم والتقانة من جهة أخرى، واعتماد اللغة الإنجليزية لغة تعلم حتى في مدارس التعليم الأساسي، وخلخلة الانتماء للغة، وفتور الاعتزاز بها في المنتديات والمحافل الدولية وحتى على أرض الأمة العربية، فباتت واجهات المحال التجارية واللافتات والإعلانات تكتب بالأجنبية وبالعامية.

وإذا أضفنا إلى ذلك كله القصور في إنتاج برامج بالعربية مخصصة للأطفال، على أن تكون بديلاً للبرامج والأفلام الأجنبية، وإذا أضفنا أيضاً سيرورة قيم الاستهلاك التي تدعو إليها الثقافة الغازية بأساليب شائقة، وذلك على حساب قيم المجتمع وثقافته، أدركنا الحجم الكبير للتحديات التي تتعرض لها ثقافتنا القومية ولغتها العربية في عصر العولمة.

ج- المعلوماتية والشابكة (الإنترنت):

غني عن البيان أن العصر الذي نحيا تحت ظلاله إنما هو عصر العلم والتقانة (التكنولوجيا) والمعلوماتية. ومفتاح الحضارة الحديثة التعدد والتنوع والمرونة والقدرة على التركيب، والعقل البشري هو العنصر الحاكم في ثورة المعلوماتية والالكترونية والشابكة (الإنترنت) بعد أن كان التجار ورأس المال حاكمين للثورة الصناعية الأولى، وبعد أن كانت الطاقة والإدارة الحديثة حاكمين للثورة الصناعية الثانية.

ومن التحديات التي تواجهها اللغة العربية في ميدان المعلوماتية واستخدامها على الشابكة تعدد مواصفات محارفها، إذ إن اللغة العربية تأتي في المرتبة الخامسة في العالم من حيث عدد المتكلمين الأصليين بها أو الأصليين والثانويين، فهي تجيء قبل الفرنسية والألمانية واليابانية والإيطالية، ومع ذلك فقد اعتمدت مواصفات محارف هذه اللغات، وفرضت رسمياً، ولم يتحقق ذلك عربياً، وهذه الحال هي نفسها في كل المواصفات الأخرى لاستعمال اللغة العربية في جميع التطبيقات المكتوبة والمحكية.

وتجدر الإشارة إلى أن تعدد المواصفات يؤدي إلى إشكالات في الشابكة (الإنترنت)، وفي البحث في قواعد المعطيات وفي الإعلام، ويسبب العديد من الإشكالات في مجالات تعرف الحروف العربية، ولدى المدقق الإملائي والمدقق الصرفي، والمدقق النحوي، وفي التحليل والتركيب، وتوليد النص الآلي، والترجمة بين اللغات، وتعرف الكلام وتركيبه، والفهم الآلي للنص.

ثالثاً- بعض سبل المواجهة

 

بعد أن تعرفنا بعضاً من التحديات الخارجية والداخلية التي يتعرض لها تعليم اللغة العربية في التعليم العام كان لابدّ من تحديد عدد من سبل المواجهة للارتقاء بهذا الواقع اللغوي، ومن هذه السبل:

  • إعادة النظر في برامج إعداد المعلمين اختياراً وتأهيلاً وتدريباً:

وهذه الإعادة تفرضها متطلبات الواقع بغية جذب العناصر الكفية إلى التدريس بطريق الحوافز المادية والمعنوية، وضرورة التركيز على الإعداد الوظيفي على المستوى الجامعي للمعلمين كافة بدءاً من رياض الأطفال وانتهاءً بالثانوي، بحيث لا تجور المواد التربوية والثقافية على مواد التخصص من جهة، وعلى أن يكون التركيز على الأمور الوظيفية التي يحتاج إليها الطالب المعلم في مهنته بعد التخرج، وأن تقام دورات تدريبية لمعلمي المواد كافة لتذكيرهم بأساسيات قواعد لغتهم حتى يكونوا قدوة أمام متعلميهم في استخدام اللغة السليمة، ويكونوا عوناً لمعلمي اللغة في أداء مهمتهم التعليمية.

  • إعادة النظر في بناء مناهج اللغة على أسس علمية:

إن المناهج لا تبنى على الانطباعات الذاتية والخبرات الشخصية، وإنما تبنى على أسس علمية، وهذه الأسس تتمثل في أساسيات اللغة ومفاتيحها من وجهة نظر الخبراء والمتخصصين، وفي متطلبات المتعلمين سداً لحاجاتهم وتلبية لميولهم ورغباتهم واهتماماتهم، وفي متطلبات المجتمع في مختلف ميادين المعرفة ومناشطه اللغوية، على أن يؤخذ القاسم المشترك لهذه الأسس الثلاثة مادة ومتعلماً ومجتمعاً وعصراً، فيركز عليها في بناء المناهج، دون الاعتماد على جانب واحد منها أو على أساس واحد منها، وإنما ينبغي أن تؤخذ متطلبات هذه الأسس كافة في عملية البناء؛ على أن يتم التركيز على المنحى الوظيفي ومبدأ الشيوع والتواتر.

  • تطوير طرائق تعليم اللغة العربية وتعلمها على أن يتم التركيز على:
  • تمثل الأهداف المرسومة لتعليم اللغة عامة، وفي كل مهارة من المهارات اللغوية خاصة.
  • التدرج في تقديم المهارات اللغوية.
  • العمل على تكوين المهارات اللغوية لدى المتعلمين بطريق الممارسة والتكرار، على أن تكون الممارسة مبنية على الفهم.
  • اعتماد التعزيز الإيجابي في العملية التعليمية التعلمية.
  • الإكثار من المناشط اللغوية التي يمارسها المتعلمون في داخل المدرسة وفي خارجها.
  • إغناء البيئة التعليمية بالمثيرات والتقنيات التربوية والوسائل المعنية.
  • اعتماد التعلم الذاتي مبدأ لتأمين التعلم المستمر مدى الحياة.
  • وجوب كون المعلمين قدوة أمام المتعلمين في محبة القراءة، وغرس الشغف بها في نفوسهم.
  • استخدام اللغة السهلة والميسرة في رياض الأطفال، وتدريب الأطفال على استخدام البنى اللغوية بصورة عفوية.
  • الانطلاق من لغة المتعلمين وخبراتهم في العملية التعليمية التعلمية بغية ردم الهوة بين العامية والفصيحة.
  • العمل على تحقيق التكامل بين المهارات اللغوية.
  • تنوع الطرائق والأساليب في ضوء الأجواء والأوساط التي يتفاعل معها المعلمون على أن تحظى الطرائق التفاعلية والتنقيبية بالأهمية.
  • تنويع أساليب التقويم على ألا تقتصر على أسئلة التعرف.
  • تفعيل البرامج التربوية اللغوية على الشابكة (الإنترنت) والحواسيب:

ثمة فقر في استخدام التقانة والتعليم الالكتروني في تعليم اللغة العربية وتعلمها، وفقر في البرامج التربوية اللغوية على الشابكة (الإنترنت)، والمجال واسع جداً للاستثمار في اللغة العربية من حيث وضع برامج لتعليم اللغة العربية وتعلمها لأطفالنا، وبرامج للتعلم الذاتي، وبرامج لتأهيل المعلمين وتدريبهم، وبرامج تركز على أساسيات قواعد اللغة نحواً وإملاءً، وبرامج لمعالجة الأخطاء الشائعة…الخ. والتقنيات التربوية توضح المفاهيم وتبعث الحيوية والنشاط في العملية التعليمية التعلمية، وتعدد وسائلها يرتقي بهذه العملية.

  • السعي الجاد إلى تنقية البيئة من التلوث اللغوي: إن كان ذلك في المدارس بطريق التزام الفصيحة وانتشارها على الألسنة والأقلام لدى المعلمين في مختلف تخصصاتهم، ولدى المتعلمين في مختلف مناشطهم، وإن كان ذلك في خارج جدران المدارس في وسائل الإعلام إذاعة وتلفزة وصحافة ومجلات وإعلانات ولافتات … الخ.

ومن الأهمية بمكان وضع قوانين لحماية اللغة العربية، ومراقبة اللافتات والكتابات على واجهات المحال التجارية، والحرص والدقة والسلامة في كل ما تقع عليه العين أو ما تستمع إليه الأذن، ولا شك في أن وضع قانون لحماية اللغة العربية بغية مساءَلة المتفلتين ممن فتر الانتماء لديهم، وضعف الالتزام لديهم، إنما يساعد أيما مساعدة على النهوض بواقع تعليم اللغة وتعلمها وتيسير اكتسابها ما دامت البيئة التي يتفاعل معها المتعلمون تتسم بالنقاء اللغوي.

  • تعزيز الانتماء: إن غرس الانتماء إلى الأمة ولغتها الشريفة ذات العمق الحضاري في نفوس الجيل تخليصاً له من عقدة التصاغر تجاه اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية في ظل العولمة لابد من أخذه بالحسبان في مناحي الحياة كافة حفاظاً على ذاتيتنا الثقافية وعنوان شخصيتنا وهويتنا، إلا أن ذلك لا ينفي الانفتاح على الثقافات الأخرى في جو من العقلنة، لأن الحفاظ على الهوية لا يعني الجمود، كما لا يعني التنازل، بل هو عملية تتيح للمجتمع أن يتطور دون أن يفقد هويته الأصلية، وأن يقبل التغيير دون أن يغترب فيه في تفاعل بنّاء بين الأصالة والمعاصرة، ذلك لأن طبيعة العصر تستدعي إتقان أكثر من لغة أجنبية إلى جانب إتقان اللغة الأم العربية الفصيحة، وفي ذلك إغناء للغة العربية ومواكبة لها لروح العصر وطبيعته.
  • توظيف نتائج البحوث العلمية في الارتقاء بالواقع اللغوي: طالما أنجزت بحوث ميدانية في مجال معالجة مشكلات تعليم اللغة العربية، وطالما توصلت هذه البحوث إلى مجموعة من التوصيات الرامية إلى الارتقاء بالواقع اللغوي، إلا أن هذه التوصيات بقيت في منأى عن التنفيذ من الجهات المعنية، ويعد هذا المنحى ثغرة في تربيتنا، إذ لابد من التنسيق والتكامل بين وزارات التربية في الوطن العربي وكليات التربية في الجامعات العربية تخطيطاً وتنفيذاً ومعالجة مشتركة.

أضف تعليقك