البنية الأساسية للجملة العربية عند الدكتور محمد حماسة – بقلم: عبدالإلاه القاضي

ph pers

عبدالإلاه القاضي

بما أن المنطق يقتضي أن يكون لكل شيء نموذج، إما مادي ملموس، أو تَصَوُّرِيٌّ مجرد، فإن د. حماسة يؤكد على وجود نموذج أصلي لبناء الجملة العربية، وهو ما اصطلح عليه بالبنية الأساسية، ولعل حديثه عن هذه البنية يشير إلى منهجه التفسيري في البحث النحوي؛ ففكرة البنية الأساسية هي فكرة تراثية لها جذور عميقة في تربة البحث النحوي العربي، وخير دليل على ذلك قوله: ” وليس القول بالبنية الأساسية دعوة جديدة للتحليل النحوي في العربية، ولكنها محاولة لفهم التفسير الذي قدمه نحويو العربية لنظام اللغة في جهد وإخلاص يدعوان للإعجاب. وصحيح أن المصطلح لم يقع في تعبيرهم، ولكنه يتبدى بصور مختلفة في كثير من اصطلاحهم الذي يوحي به ويومئ إليه. وما قولهم (أصله كذا) أو (قياسه كذا) أو (هو على تقدير كذا) أو (تأويله كذا) إلخ، إلا رجوع إلى ذلك النموذج أو الأصل، أو – إن شئت – البنية الأساسية. “[1]

وإذا كانت البنية الأساسية هي النموذج التجريدي للبناء اللغوي، فإنها قد تختلف عن البناء الواقعي المتحقق عند المتكلمين للغة، أو بعبارة أخرى هناك فرق بين القاعدة والإنجاز، ولهذا وضح د.حماسة الفرق بين البنية الأساسية للغة والبناء الظاهري لها مستعينا بثنائية اللغة والكلام عند اللغوي “دي سوسير”، فالكلام كما حدده د. تمام حسان عمل واللغة حدود هذا العمل، كما يبين في موضع آخر أن اللغة بالنسبة للمتكلم معايير تراعى، وبالنسبة للباحث ظواهر تلاحظ. فـ”الكلام هنا ما ينشأ عن الاِستخدام الفعلي للغة، أي ناتج النشاط الذي يقوم به مستخدم اللغة عندما ينطق بأصوات لغوية مفيدة. وبينما تتسم اللغة بالطابع الاِجتماعي بوصفها ظاهرة اِجتماعية كامنة في أذهان أفراد المجتمع، ويحدث الكلام نتيجة نشاط فردي.”[2]، وإذا كانت البنية الأساسية هي الشكل التجريدي النظري للجملة والبناء الظاهري هو تحقق هذا الشكل التجريدي عند المتكلم، فإن البنية الأساسية بهذا المفهوم تقابل اللغة، في حين تقابل البنية الظاهرية الكلام، ولهذا فإن البنية الظاهرية قد تطابق البنية الأساسية أحيانا وقد تخالفها أحيانا أخرى، لكن هذه المخالفة لا تخرج عن إطار الممكن المستحب في التصرف اللغوي…

هذه البنية إذن – حسب د. حماسة – تتأسس على مجموعة من المقولات التركيبة والصرفية وأيضا المعجمية التي تحدد شخصيتها مع فسح بعض المجال للمتكلم في التصرف فيها دون الخروج عنها، وهنا يأتي دور الاِستبدال في اللغة، هذا فضلا عن التقدير والتأويل أو اِستصحاب الحال، وعليه تكون البنية الأساسية وحدة ثابتة بينما الأبنية الظاهرية متعددة ومتحركة.

وتذكرنا فكرة البنية الأساسية والبنية العميقة باِفتراض وجود بنية عميقة للغة عند النحاة التوليديين؛ فالبنية العميقة هي التي تشمل العناصر الكاملة والنظام الأساسي لبناء الجملة والقواعد التي تحكمها “ففي كل لغة يمكن اِفتراض بنية تعبر عن وقوع فعل ما من فاعل ما على مفعول به، ومن الممكن أن يعبر عن هذه الفكرة المنطقية بمناويل لغوية مختلفة”[3]، وهذه المناويل اللغوية هي ما يصطلح عليه بالبنية السطحية؛ حيث إنه “عندما ننظر في كثير من الجمل تبدو لنا مختلفة، لكن إذا نظرنا إلى بناها العميقة نجد أنها متحدة. ولعل الصورة المثلى في كل اللغات أن تتفق بناها العميقة مع بناها السطحية، لكن هذا لا يكاد يحدث في الواقع اللغوي.”[4].

ويوضح د. حماسة أن البنية الأساسية هي الأصل وهي قادرة على توليد عدد لامحدود من الجمل الصحيحة، وهذا يتقاطع والنحو التوليدي الذي يعتبر: “طائفة من القواعد التي تطبق على معجم محدود من الوحدات فتولد إما مجموعة محدودة أو غير محدودة من الاِئتلافات؛ بحيث يمكن أن نصف كل اِئتلاف بأنه سليم في صوغه في اللغة التي يصفها النحو.”[5]، والبنية الأساسية في نظر د. حماسة ليست إلا “مجموعة من هذه القواعد الفرعية التي تتناول التعريف والتنكير والتذكير والتأنيث…”[6].

وفي نفس السياق يبرز د. حماسة تنوع البنى الأساسية، لكن الأصل واحد وهو ما اِصطلح عليه بالبنية المحورية للجملة العربية، وبما أن الجملة العربية على ضربين فإننا نجد بنيتين أساسيتين وهما: بنية الجملة الفعلية (فعل + فاعل)، وبنية الجملة الاِسمية (مبتدأ + خبر)؛ إذ يتولد عن هاتين البنيتين العديد من البنى الأخرى وذلك بالنظر إلى عناصر طول الجملة وغيرها، وهي بنى محدودة على الشكل الذي أشرنا إليه سابقا، كما أنها قادرة على توليد عدد غير محدود من البنى الظاهرية أو الجمل المنطوقة المختلفة، وهذا الاِختلاف يرجعه د. حماسة إلى طبيعة القواعد الفرعية نتيجة دخول بعض العوارض كالتقديم والتأخير والحذف… وهنا يتجلى دور التفسير النحوي القائم على فكرة البنية الأساسية أو الأصل في فهم المعنى المقصود من الكلام؛ حيث اِستدل د. حماسة بأثر عن سيبويه (ت180هـ) والخليل (ت170هـ) في تفسير الآية “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلاَّ وَحْيًا أَو منْ وَرَاءِ حِجاَبِ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِي بِإذْنِهِ مَا يَشَاء” ؛إذ أرجع الخليل (ت170هـ) نصب “يرسلَ” إلى تقدير “إلا أن” فـ”إلا” لا يعقبها فعل لذلك اِحتيج إلى حرف مصدري لهذا الفعل ليتم تأويله “أن يرسل” = “إرسال”.

وتأكيدا لفكرة البنية الأساسية ومحاولة لتأصيلها يبرز د. حماسة بعض الظواهر التي تبين وعي القدماء بهذه الفكرة ويمكن عرضها فيما يلي:

ما يتعلق بالإعراب كــ:

  • المحل الإعرابي: نظرا للعلاقة الاِستبدالية تتبوأ بعض المبنيات كأسماء الإشارة والأسماء الموصولة ما عدا المثنى منها محلا إعرابيا، ونفس الحال في الجملة التي لها محل من الإعراب كالخبرية أو الحالية…
  • الإعراب التقديري: قد يتعذر ظهور العلامة الإعرابية على لفظة معنية فيتم اللجوء بذلك إلى التقدير كالأسماء المقصورة والمنقوصة إلى غير ذلك. ..
  • حرف الجر الزائد: كأن يشتغل محل كلمة ما بحركة حرف الجر الزائد وبذلك تكون العلامة مقدرة “كفى باللهِ شهيدا” حيث يعرب بـ”اللهِ”: الباء: حرف جر زائد، للتوكيد، مبني على الكسر، لا محل له من الإعراب. / اللهِ : لفظ الجلالة، اِسم مجرور لفظاً، مرفوع محلاً (تقديراً) على أنه: فاعل للفعل كفى. وبهذا يكون التقدير العام ” كفى اللهُ شهيداً “.

ما يتعلق بعوارض بناء الجملة كــ:

  • البناء العارض: قد يلحق تابع بعض المبنيات بناء عراضا كتابع المنادى واِسم ” لا” النافية للجنس حيث تبقى على حالة واحدة رغم وجود العامل.
  • الحذف الواجب: والقول بوجود حذف واجب يعني وجود عنصر أساسي محذوف وهذا العنصر نستدل على وجوده من خلال البنية الأساسية، وهو عكس الحذف الجائز الذي يمكن أن يذكر العنصر المحذوف بموجبه في بناء ظاهري آخر، وبذلك يكون الحذف الواجب أكثر دلالة وبرهنة على وجود البنية الأساسية في التحليل النحوي العربي.
  • التقديم والتأخير: لا نقول إن عنصرا ما مقدم من تقديم أو مؤخر من تأخير إلا إن كانت رتبته الأصلية غير ذلك، ولهذا فإن تصور البنية الأساسية حاضر وبقوة في هذا الباب.

واِعتماد فكرة البنية الأساسية في التحليل النحوي لا يعني إهمال النحاة القدامى للبنية الظاهرية، بل نجد في التراث النحوي العديد من المحاولات التي اِعتمدت على البناء المنطوق في هذا التحليل وقد مثل د. حماسة لذلك بحكمهم على الجملة الاِسمية المنسوخة بالنواسخ الفعلية ” كان وأخواها ” إنها جملة فعلية وذلك بالنظر إلى صيغة هذه الأفعال بغض النظر عن أنها ناقصة… وبذلك تظل هذه المحاولات قليلة وشاذة، والشاذ لا يقاس عليه.

_________________________________

الهوامش:

[1] – نفس المرجع، ص: 12

[2] – محمد محمد يونس علي، مدخل إلى اللسانيات، ص: 52

[3] – نفس المرجع، ص: 86-87

[4]– نفس المرجع، ص: 88

[5] – محمد محمد يونس علي، مدخل إلى اللسانيات، ص: 84

[6] – حماسة عبداللطيف، بناء الجملة العربية، ص: 245

أضف تعليقك