ضوء القمر – بقلم: نهى الطرانيسي

وسط مسرحي الصغير في عيني، الهائل في عبئه، أكون في الصفوف الأولى، أشاهد وأكوّن أفكاري وآرائي، وأكتفي، ولا أضني نفسي كي أسردها للآخرين، فكل منا ألَّفَ داخله شرَكَ العنكبوت تصيد الأعذار والحجج لخطاه ونواياه.

مع إشراقة كل صباح، أخرج إلى الشرفة التي شابها التشقق وقطرات الندى، رسمت دموعا على جراحها، اختلست شهيقا ظننته ينعشني ويروي نفسي الخاملة، ولم يأتني إلا مختلطا بتنهد وألم، ودعوات من قلوب ذبلت من الأوجاع والكذب أيضا، كصاحب المقهى المجاور مُدِيرًا مِذياعَه بأعلى صوته ليردد أغنية أم كلثوم (الورد جميل)، أكتم غيظي وأضم شفتي حسرة على هذا الورد الخيالي فلم أعد أجده… لقد انقرض، وبقي التراب خفيفا جافا يخنق الأنفاس، مشبعا بالعرق أو الدماء .. هرولة أقدام !! اعتدنا على ذلك فلم يعد يُسمح لنا في هذا المسرح أن نخطو بسكينة وهدوء.

يأتي المساء كالمسكن لهموم الصباح، لكنه لا يداويها، يُنجدني الكرسي بقربه مني، فألقي بنفسي فوقه، محاولة إزاحة التعب، أشاهد أمي تنظف الغرفة، ثم تتجمد أمام صورة كأن هناك تمثالا متجسدا فيها، يأمرها بالجلوس.

رضخَتْ راضية مبتسمة، لا يكاد يطرف لها جفن سوى فمها وذاك القرص الدائري البني بوجهها الذي لمع من عبرات اختنقت داخلها. فأبي فارقنا منذ سنوات، وكلما مرت أمام الصورة خجلت ألا تقتطع له من وقتها الكثير.

تبدأ خلواتها الزائفة بأغنية (أغدا ألقاك)، حدثتني أمي عن شدة تعلقها بهذه الأغنية، تخجل دائمًا أن تخبرني بأنها شرارة الحب بينهما.

تهيأَتْ لجِلْستها أمام الصورة، وبعد وصول صوت أم كلثوم إلى أذنيها اتسعت ابتسامتها، وحيّت والدي بنظرة كلاهما عرف معناها، وأخذت تفضي بما داخلها، لا تكل ولا تمل من الكلام، ولا من مرور الساعات، وسرد أحداث اليوم كاملة؛ تريه النظارة الجديدة، والحقيبة التي أهديتُها إياها بعيد الأم … تنهمر العبرات، لتنفذ من عينيها، وتتنهد ارتياحا لإطلاقها من سِجْنها، وتعود إلى سَجْن الباقي سريعا؛ لتختم اللقاء بقبلة على الصورة هامسة (أغدا ألقاك)!

كنت أشفق عليها، ولم أُرِد أن أثنيها عن حديثها ذي الشفة الواحدة، وإن كان مجردَ لذةٍ زائفة بمن يؤنسها، فالحقيقة أن قلبها كان هو الذي يرد على كلامها وذكرياتها التي تسردها للصورة، كان قلبها يرتشف من حنينها دِرعًا واقيا يبقيه صامدًا.

أختي الكبرى نسخة ثانية من أمي، فكلاهما وضع القلب تاجًا يسبق العقل، وكلما حاولتُ إضاءة مفتاح العقل لديها؛ ليطغى على بلورة القلب، أخفقْتُ؛ لتهاجمني أحلامها البيضاء، والفارس الذي يهيم متبركا على عتبات الحب الفضية.

لا ترى السيوف الدائرة وهي تقطع من لم يدركها ويتحاذاها، ولا ترى أن الحب تقزم عندما هرمَتْ مصاعب الحياة وأوجاعها، على الرغم من أن هذا الحب هو المسكن الذي يساعدنا على تحمل هذا المسرح البائس.

هربت إلى كواليسي الخاصة بغرفتي التي أدير فيها حياتي، وأطلق لأفكاري فيها العنان، وأكون بطلة لجمهور ذاتي؛ لعقلي وعيني، يردان الصدى غذاءً لشغفي وأفكاري.

اتخذتُ من جلستي البسيطة طابعا يضفي صفة الانفراد على مسرحي الذي اقتنيته بنفسي ولي، لا تتعدى مساحته مترين يكفياني ويكتفيان بي.

على مقطوعة بيتهوفن (ضوء القمر) كانت أناملي تَلْتهِمُ الأقلامَ بسرعة ثائرة، أضَعُ كلّ حينٍ لوحة فارغة أخط عليها بألوان تغاير ما خلف النافذة، وحين أنتهي منها أتجرعها كؤوسًا هنيةً تملأني قدرة وأملاً أن هناك ألوانًا جديدة.

أضف تعليقك