بنية المتعاطفين في مشاهد القيامة: دراسة نحوية دلالية في القرآن الكريم – د. حمادة عبد الإله حامد

 إن اختيار أنماط تركيبية مخصوصة بالطبع ليس فارغا من أي محتوي، بل له دلالته  التي تتكاثف عن طريق مدلولات أخرى في السياق، وتولِّد دلالة أعمق عن طريق التضافر معها. وهذا التكثيف الشديد للجملة الفعلية الذي فاق الجملة الاسمية بأضعاف في مشاهد القيامة ، ( فإنك واجد هنا ما نسبته  (66% ) للجملة الفعلية، وما نسبته 8% للاسمية ) يرجع إلى أن الآيات عمدت إلى وصف صورة حية لحركة المشاهد الرهيبة، ولا يكون ذلك بغير الفعل الدالِّ على الحركة.

ومن المعروف أن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والقدم، بينما تدل الفعلية على التجدد والحدوث، ومن هنا فقد وظّف القرآن ذلك في إبراز المعنى، كلٌّ في سياقه.  فترى السياق قد آثر الجملة الاسمية الدالة على الثبوت في المعطوف، بينما الفعلية في المعطوف عليه، وبنظرة المتبصِّر يتضح ذلك في قوله تعالى ( لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ) إبراهيم 43، فعدم ارتداد أبصارهم إليهم أمر متجدد الحدوث، لهول ما يرون فلا تقر أعينهم في أماكنها ولا تطرف [1]، ولا يرجع نظرهم إليهم، ولا يمكنهم أن ينظروا لأنفسهم [2]، بينما الصفة الأصيلة أن قلوبهم خاوية لا يشغلها سوى الخوف؛ فلا قوة فيها ولا ثبات، قال زهير: من الظلمان جؤجؤه هواء [3].

ومن هنا فقد استعار للمتجدد وهو ارتداد الطرف الجملةَ الفعلية ( لا يرتد إليهم طرفهم)، بينما استعار للثابت الراسخ صفة فيهم الجملة الاسمية ( وأفئدتهم هواء )، فناسبَ هذه تلك، كلٌّ في موضعه من التعبير.

ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ) المؤمنون 104، فقد آثر التعبير في المعطوف بالاسمية لبيان ثبوت صفة كلوحة وجوههم في النار، بينما يتجدُّد عليهم لفح النار وإحراقها، وهنا إشارة إلى بوادر التعذيب التي يتعرضون لها، وتتسلَّطُ على وجوههم بالخصوص، والوجه أشرف ما في الإنسان، وإذا لفح الأشرف فما دونه ملفوح [4]،  وأيضا لما كان يبدو على أسارير وجوههم من أنفة وكبر عن الاعتراف بالحق، وما كان ينبعث منها من تأثير سحري على ضعاف الخلق [5]، ومن هنا، فإن السياق جمع بين ثبات كلوحة وجوههم، وهي أشرف ما فيهم، وبين تجدد العذاب عليها؛ فكلوحة الوجوه ثابتة واللفح متجدد عليها، ولم يقل تلفح وجوههم النار ويكلحون فيها، وكذا لم يقل النار لافحة وجوههم وهم كالحون فيها، فناسب كل حالة بتعبيرها المناسب، فسبحان من هذا كلامه.

أما عند ثبوت الحال والصفة في المتعاطفين، فإن القرآن يعبر بالجملة الاسمية دون غيرها.  والمتبصر قوله تعالى: ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) إبراهيم 22، فتلك صفة ثابتة متأصلة في الطرفين، ومن هنا فناسبها الجملة الاسمية لدفع توهم أن هذا الحدث قد يكون حينا أولا يكون؛ لأنه ثابت لا ينفك.

 2 ـــ تأسيس الجملة الفعلية على الماضي:

جاءت الجمل الفعلية مؤسسة على الفعل الماضي أكثر من المضارع، كما جاء العطف بالفعل على الفعل منحازا للماضي أيضا على نظيره المضارع (35) مرة للماضي، و(21) مرة للمضارع إذا اعتبرنا الأفعال المضارعة المنفية بـ (لم) تحمل الزمن الماضي، كقوله تعالى:  ( قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) المدثر 43. فلئن كان استخدام الفعل المضارع في تصوير مشاهد القيامة كقوله تعالى:

( يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) الزمر 71، وقوله تعالى: ( يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ )  إبراهيم 17، وقوله تعالى: ( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ) الكهف 31

أقول: لقد كان استخدام المضارع يرسم صورة حية مشاهدة متحركة ظللت الجو بالامتداد  والاستمرارية: ( لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ )، فإن ثمة ظلالاً مكثفة من المعاني أزجاها استخدام الفعل الماضي، مؤداها: أن تلك المشاهد واقعة لا ريب، فالزمن عند الله لا مستقبل فيه: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) النحل 1، وفي هذا خروج من المأنوس، إذ عبَّر من المستقبل بالماضي الذي وقع فعلا، فأخرجه مخرج الأمر الثابت، أي كأن الأمر انتهي وثبت.  وإنك لواجد ذلك واضحا جليا في تلك الآيات، فانظر كيف آثر التعبيرُ القرآني الفعلَ الماضي دون غيره في مثل قوله تعالى: ( وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ )  البقرة 16وقوله تعالى: ( شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ )   الأنعام 130، وقوله تعالى: ( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) يونس54، ففي الآيات السابقة تبدَّت الأفعال الماضية بشكل واضح جلي: ( ورأوا، وتقطعت، شهدنا، وغرتهم، وشهدوا، وأسروا، رأوا، وقضي ) وكلها مسبوقة بواو العطف.

نماذج تحليلية: 

  • الترتيب بالواو من الأقرب للأبعد والعكس:

قوله تعالى: ( يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) المعارج 11: 14.

وإذا كان الترتيب بالواو جاء في آيات المعارج- كما هو واضح في الآيات- متدرجا من الأقرب لنفسه ( بنيه) وانتهاء بالأبعد من نفسه مكانة: (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) وبينهما (وَصاحبته وأخيه وفصيلته )، وذلك لأنه مشهد من مشاهد القيامة الذي لا يطاق، والعذاب الذي يصعب تحمله، فالمجرم يساق لجحيم مستعر، وساعتها يود النجاة بكل سبيل، حتى لو ضحي بابنه الأعلق بنفسه [6]، فيفتدي به فضلا عن الآخرين، وهذا يدل على أن العذاب فوق التصور، وهوله أبعد من الخيال بحيث جعله يتخلى عن كل مساومة، كما نلاحظ هنا أن الله عز وجل لم يذكر الأم والأب في هذا الفداء إكراماً لهما، فمنعهما من العذاب. أما المقام في سورة عبس: ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) ) عبس 34: 37،  فالمقام هنا مقام فرار وهرب: ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ )،  والإنسان يفرُّ من الأباعد أولا، ثم ينتهي بألصق الناس به، فألصقهم به أولاده وزوجته الذين لا يفارقهم في معايشه [7]، فقد تمرُّ الشهور ولا يرى إخوته وأبويه بعد زواجه، فزوجته موضع سره وشريكته في حياته، وأبناؤه المُرجَوْن لنصرته ودفع السوء عنه.

يؤيد هذا ما أزجاه صاحب الكشاف: بدأ بالأخ ثم الأبوين؛ لأنهما أقرب منه، ثم الصاحبة والبنين لأنها أقرب وأحب، كأنه يفر من أخيه، بل من أبويه بل من صاحبته، وذكر نحوا من هذا البيضاوي والرازي والنسفي [8].

  • الثابت والمتجدد في المتعاطفين:

قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ) لقمان 33. فقد ورد عطف جمل ة): ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) ، وهي جملة اسمية على الجملة الفعلية الوصفية (لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) التي أتى بها فعلية وأسند فيها الفعل المضارع المنفي ( لا يجزي ) إلى الوالد؛ لأن شفقته متجددة مع الولد في كل حال [9]، وأوثرت جملة (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا) بطُرُقٍ من التوكيد، لم تشتمل على مثلها جملة (لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) فإنها نظمت جملة اسمية، ووسِّط فيها ضمير الفعل، ونكتة هذا الإثبات مبالغة تحقيق عدم جَزْء هذا الفريق عن الآخر؛ إذ كان معظم المؤمنين من الأبناء والشبايب، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك..فأريد حسم أطماع آبائهم، وما عسى أن يكون من أطماعهم أن ينفعوا آباءهم بشيء، وعبر فيها ـبـــــ (مولود) دون (ولد) لإشعار مولود بالمعنى الاشتقاقي دون (ولد) لقصد التنبيه على أن تلك الصلة الرقيقة لا تخوّل صاحبها التعرض لنفع أبيه المشرك في الآخرة [10]؛ فتجَشُّمُ مشقة التربية يدفعه لتجشم الإلحاح في الجزاء عنه، ومن هنا فالجملة الاسمية أكبر من الجملة الفعلية المقتضية التجدد.

وليس هذا دأب القرآن في مشاهد القيامة فقط، بل في كل آيات القرآن يوظّف الفعل والاسم، كل في سياقه، ومن ذلك قوله تعالي: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُون ) الأنعام 95، فاستعمل الفعل مع الحي، فقال (يخرج)، واستعمل الاسم مع الميت، فقال (مُخرج)؛ وذلك لأن أبرز صفات الحي الحركة والتجدد، فجاء معه بالصيغة الفعلية الدالة علي الحركة والتجدد، ولأنه الميت في حالة همود وسكون؛ لذا ناسبه صيغة الماضي.

________________________

الحواشي:

[1]– تفسير القاسمي، المسمى محاسن التأويل للقاسمي، 10/ 3737  وانظر أيضا تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)، 3/303

[2]– تفسير النسفي المسمي بمدارك التنزيل وحقائق التأويل، 1/560

[3]– أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 2/  229

[4]– البحر المحيط 6/ 389

[5]– التفسير في أحاديث التفسير لمحمد المكي الناصري، 4/   232

[6]– التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور،  29/161،162.

[7]– راجع لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، 193 حتى 196 بتصرف .

[8]– انظر الكشاف  6/318، وكذا البيضاوي 501 والرازي30/ 65، النسفي1/ 1303.

[9]– البحر المحيط 7/ 189 .

[10]– راجع التحرير والتنوير لابن عاشور 21/194 .

أضف تعليقك