في محبة كتاب: (القيم الحضارية في الإسلام – نحو حداثة إنسانية جديدة) – بقلم: فريد لطفي أحمد

في محبة كتاب

download

القيم الحضارية في الإسلام

نحو حداثة إنسانية جديدة

 

هل ركبت البحر؟!

  كان محمد بن يزيد المبرد إذا أراد مريدٌ أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول له: “هل ركبت البحر؟! ” تعظيماً له وإكباراً!!

    هذا هو الشعور الذي يتملكني كلما فكرتُ في عرض هذا الكتاب الرائع وتقديمه للقارئ, قرأته وذاكرته أكثر من عشر مرات حتى حفظت بعض فقراته, وقرأته مع بعض طلابي ثلاث مرات على الأقل, ورغم هذا لا تفارقني الهيبة من الكتابة عنه, وليس ذلك لصعوبة لغته وأفكاره, وإنما لما يقدمه من بناء فكري متماسك يشد بعضه بعضاً, مما يجعل مهمة اختصاره من الصعوبة بمكان.

   على أنني قد قنعتُ في النهاية بمجرد الإشارة إلى أهمية الكتاب, وخطوطه العريضة, ودعوة القارئ إلى مطالعته والتفاعل معه, ولو أنني تركت القلم يجري بكل ما ترتضيه نفسي، لنقلت الكتاب كاملاً، لذا فكل ما تطمع فيه هذه القراءة هو تحريضُ القارئِ الكريم على الاطلاع على هذا المشروع الفكري الضخم، الذي يدل على جهد استثنائي, وإخلاص نادر.

   والحقُ أن هذا الكتاب ليس مجرد بحث في الحضارة الإسلامية فحسب، بل لقد وضع فيه مؤلِفُه الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح الخطيب خلاصة فكره، وأصول مشروعه العلمي، ورؤيته الحضارية، وسوف يلوح للقارئ على صفحات الكتاب وبين سطوره عطر الخطيب بعقله الحي وروحه المتجددة الوثابة المؤمنة بالتجديد الساعية نحوه, فكتابه مقدمة لمدونة مشروع حضاري متكامل, مرتبط بالأصل، ماضٍ بقوة وثقة في التجديد، ساعياً نحو بناء “حداثة إنسانية جديدة“.

   أدوات المفكر

   وليست قيمة هذا السفر النفيس فيما يقدمه للقارئ من معرفة جديدة, ورؤية ناضجة للواقع الإسلامي والغربي فحسب, بل في قدرته النادرة على”تحليل النصوص الشرعية” وتحويلها إلى مفاهيم أصيلة ضمن منظومة “النموذج المعرفي الإسلامي”, بحيث تأخذ شكلاً أو نوعاً من النظرية التي لا تلبث أن تلتئم وتتلاحم مكونة صورة لحقيقة متكاملة متماسكة يشد بعضها بعضاً.

   وفي تحليل هذا المشروع لابد لك أن تقف ملياً أمام مركزية المقاصد الشرعية في بنائه وفاعليته على السواء, وتمثل أطروحة الإمام الشاطبي في كتابه (الموافقات) مصدراً أصيلاً لهذا المشروع العلمي المتميز.

   أما لغة الكتاب فعربية الأرومة والمنبت, واضحة رقراقة صافية لم يُصِبها الجفاف والتقعر الذي نراه في لغة المفكرين, هذا دون أن تتخلى عن ذرة واحدة من عمق الفكر وجديته, التي يجدها قارئ الطاهر بن عاشور, وعلال الفاسي, ومالك بن نبي, وطه عبد الرحمن, وعبد الوهاب المسيري, ومحمد عمارة, وعبد المجيد النجار, وهي الأسماء التي تشرق أفكارها بين صفحات الدراسة, فهؤلاء هم آباؤه وهم شجرة نسبه الممتدة, ومحمد الخطيب يقف بقوة إلى جوار هؤلاء ولا يقف خلفهم, فقد أفاد من جهودهم وبخاصة طه عبد الرحمن والمسيري, لكنه تميز عنهما بعمق الاتصال بالتراث والقدرة على فهم النصوص  وتحليلها، ترفده في ذلك  مرجعيته التراثية وثقافته اللغوية والأصولية العريقة.

  وكان عنصر المقارنة ورصد المفارقات من أهم الأدوات المعرفية التي اعتمدتها تلك الدراسة, من خلال مقارنة النسق المعرفي الإسلامي بقيمه الكبرى في تحريك الحياة بالنسق المعرفي للحداثة الغربية, وقد انتهت هذه المقارنة إلى كثير من النتائج المهمة.

   لماذا الحداثة ؟

   تنطلق هذه الدراسة ــــ كما يرى صاحبها ــــ من افتراضية مفادها: أنه إذا اعتبرنا أن الحداثة «مشروع» يحرك الحياة من خلال رؤية للكون والإنسان في تعامله مع عالم الأشياء، وأن هناك «حداثة» غير إسلامية، فلابد من أن تكون هناك «حداثة» إسلامية، لها مقولاتها ومفاهيمها الخاصة بها في «تحريك الحياة»، ونابعة من «رؤية» الإسلام المتميزة للإنسان والكون والحياة، بل يرى د. الخطيب أن وجود هذه «الحداثة الإسلامية» وكونها «حداثة» للإنسانية جميعاً، أمرٌ ملازم للإسلام، مرتبط به أشد الارتباط، باعتباره الدين الخاتم؛ ومن ثم فهو ليس «مشروع» ترقية للوجود الإسلامي فحسب، بل للإنسانية كلها على امتداد أزمانها، يعمل على «ترقية وجودها»، والارتقاء بها في «مدارج الكمال» مادةً وروحاً، خَلقاً وخُلُقاً، حالاً ومآلاً، وهو مقتضى قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143) فـ«الشهادة» معنى يقتضي كون الأمة ــــــ من خلال إسلامها وأنساقه المعرفية وقِيَمِه في «تحريك الحياة» ـــــــ هي المرجع والميزان، الذي تتطلع إليه البشرية، حينما تفقد «المعنى»، وتضل «المقصد»، وتبتعد عن «المرجعية»!!

   والكتاب ـــــ كما يرى د. عمر عبيد حسنة ـــــ محاولة لاستدعاء القيم الحضارية في الإسلام ومعايرة الواقع الإسلامي بها، وتقديم قراءة جديدة لهذه القيم وكيفية إعادة تفعيلها وفاعليتها، وبيان دورها في التغيير والتجديد للواقع المتخلف، والإفادة من فشل قيم (الآخر) في تغيير واقع الأمة وانتشالها من التخلف، الذي تعاني منه، حتى ولو عايشت ــــ من حيث الشكل ـــ مظاهر حضارية من خلال استعمالها لأشياء (الآخر)، والتي تبقى مظاهر حضارية مغشوشة.

   ويؤكد الخطيب على أن الإسلام يرفض ـــــ في منهجيته لتحريك الحياة ـــــ أية قيمة تستلب إنسانية الإنسان باستعباده واستذلاله، أو لا تجسد إنسانيته، أو حتى لا تجسد كمال الإنسانية فيه؛ حيث الغاية في كمال الأخلاق بتزكية النفس مقصداً وسلوكاً، كما يرفض الإسلام أية حركة تتم في غيبة “المقاصد الإنسانية الكلية” التي تقوم ــــ في الإسلام ـــــــ على مقصد “التعبد” وما يدعو إليه.

الإبداع .. في صناعة المصطلح

   ومن أهم ما يميز هذه الدراسة صياغة صاحبها لبعض المصطلحات والمفاهيم، التي تعبر عن رؤية إسلامية واضحة في” تحريك الحياة” ــــــ وهي من أجمل وأدق وأبدع ما في هذا الكتاب ــــــ وقد جمعها صاحبنا وعرف بها في مقدمة كتابه، واستدل على صحة بنائها، وكلها مصطلحات نابعة من أصول الفكرة الإسلامية, والكاتب هنا مؤمن بأننا ما لم نهتد إلى إبداع مفاهيم تعبر عن رؤيتنا في “تحريك الحياة” وتأصيل هذه المفاهيم استدلالاً بها وعليها، وما لم ننشئ “فضاء اصطلاحياً” وفق نماذجنا وأنساقنا المعرفية، فإننا بلا شك، سنظل في هذا “التيه” وما يؤدي إليه من “استلاب حضاري.  

   ومن تلك المصطلحات التي استخدمها: «المثل الأعلى»، و«الاستخلاف»، و«الخلافة الاقتدائية», و«السعي الحي»، «والتزكية»، و«الاستعمار الإيماني للأرض»، و«تحصيل المعية الإلهية»، و«ترسيخ الذات الإنسانية»، و«الكدح الحضاري» ، و«الاستقامة الحضارية»، و«الكلالة الحضارية»، و«التخلف الكوني»، و«الحياة الطيبة» و «الائتمان الكوني»، و«القوامة الكونية»، و«البعد السُنَنِي»، و«الائتمان على المستقبل», وغيرها …

عناصر المشروع الحضاري

  ومن بين تلك المصطلحات أذكر تعريفه لثلاثة منها, هي المحاور الأساسية التي قام عليها البناء الفكري للكتاب:

أولاً: (الاستخلاف): وهو من أهم المفاهيم المحورية الثابتة في بنية النموذج المعرفي المستمد من الوحي، والذي يؤطر حركة الإنسان، باعتباره خليفة في الحياة، فالمستخلِف هو الله تعالى، والمستخلَف هو الإنسان وأخوه الإنسان، والمستخلَف عليه هو الأرض وما عليها ومن عليها، والإنسان في مفهوم الاستخلاف عابد مسؤول، مستحضر على الدوام لإرادة الله وقدرته، وهو سيد في الكون بعمارته، لا سيد عليه بالاستعلاء والتسلط، والقهر والغزو.

ثانياً: (التزكية) وهي في البناء الحضاري الإسلامي: مفهوم يستجمع معاني: “النمو” و”الخيرية” معًا؛ فالتزكية تخلية (من الرذائل) وتحلية (بالفضائل) بما يستوجب للنفس الصلاح في الدنيا، والفلاح في الآخرة، ويقابلها مفهوم “التدسية” القائم على “الخفاء” و “الإغواء” و”الإفساد” للنفس.

   وهناك عدة مفاهيم أخرى، تدل على مفهوم “التزكية” وتتعاور معه في الدلالة على “التطهير” و”الترسيخ” في المنظومة الإسلامية، أشهرها اثنان، هما:

الأول: “المجاهدة”  أو “الجهاد الأخلاقي” بمعنى: استفراغ الوسع والجهد في ترقية الذات، تعاملًا مع النفس، وتعاملًا مع الغير، والصعود بها إلى مراتب الخير، والوقوف بها ضد نوازع الشر(فطمها عن المألوفات، وحملها على غير هواها).

 والثاني: “سياسة النفس” بمعنى: القيام على النفس بما يصلحها، ويهذب حركتها في الحياة، وبهذه السياسة  يستحق الإنسان خلافة الله تعالى.

وثالثاً: (الاستعمار الإيماني للأرض):  وهو الحركة الحية في الأرض؛ لاستثمارها وتعميرها، واستغلال منافعها، وتسخير مرافقها، والتفاعل مع الكون، علمًا بقوانينه، واستثمارًا لخيراته، وارتفاقًا بمقدراته، في غير سرف ولا عبث ولا إخلال بنظامه الموزون، ووفقًا لمبدأ الإسلام: “إن لكل خَلق حقًا أو حقوقًا تخصه” أوجبها الذي  خَلَقَه، وسخر له هذا الكون بكل ما فيه.

 فــــــــ”الاستعمار” بهذا المفهوم، هو الركن المكمل لعملية “الاستخلاف”  والقيمة الحضارية الكبرى في الإسلام التي تؤطر حركة الاستثمار في الكون، والتعامل مع الأشياء، وفق منهج الله في أمره ونهيه؛  حيث المقصد العام للشريعة الإسلامية: إصلاح الأرض وعمارتها، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق التمكين عليها، وتعبيد الفعل البشري لله سبحانه، بحيث تكون جميع فعاليات الكون متجهة إلى الله(عبادةً كما شرع، وعمارة َ الأرض كما أمر).

********

تجديد الخطاب

   في خاتمة دراسته  يدعو د. محمد الخطيب إلى أن نعيد الاعتبار إلى قيم الإسلام، وتفعيلها في حياتنا، تنـزيلاً، وحراسة، وتنمية، وأن نصوغ، في ضوء هذه القيم، خطاباً إسلاميّاً جديداً يكون على مستوى سؤالات الإنسان المعاصر، وذلك  يتطلب تجديداً في خطابنا: العقدي والفقهي والقيمي وما يقتضيه ذلك من فقه الواقع الحضاري للأمة, والاجتهاد في إبداع الآليات التي يتم من خلالها تفعيل هذه القيم في الواقع, أو رفعه إليها, والانخراط الواعي في قضايا الأمة الحضارية, بل في قضايا الإنسانية كلها, ولابد  كذلك وأن نخوض معركة بناء المفاهيم الحضارية وفق رؤية ديننا في”تحريك الحياة من خلال قيم: «الاستخلاف»، و«التزكية»، و«الاستقامة في التعامل مع مفردات الكون »، وتحويل هذه القيم إلى “مفردات شرعية” تحكم الواقع الإنساني، أفراداً وجماعاتٍ.

خاتمة الرحلة

   وبعد, فهذه هي «الحداثة» الجديدة التي يمكن أن يقدمها الإسلام للبشرية كلها، حداثة تهدف إلى «ترقية الوجود»؛ إذ إنها تبلغ النهاية في وصل الإنسان بربه، تعبداً وتعقلاً وتخلقاً، كما تبلغ الكمال في وصل الإنسان بأخيه الإنسان، تعارفاً وتراحماً وإحساناً, كما تبلغ المنتهى في التعامل مع مفردات الكون، انتفاعاً واستثماراً وائتماناً.

   فلا تتصارع مع الكون، ولا تتسلط عليه، وإنما تخاطبه، بل تتوادد معه وتراحمه،حتى يبوح لها بأخباره وأسراره!! وبذلك، وحده، تحقق الأمة (شهودها الحضاري( لا أن نترك قيمنا تعاني غربة الزمان والمكان، ثم نجعل الإشـكال فيها, والحقيقة أن هذا إشـكال المسلم، لا إشكال قيمه، وقديماً قالت العرب في كلامها: «مَن رام التفلُّت، طال منه التلفُّت، ويوشك أن تُرهقه المتاهات، وتتلفه العوائق»!!

    هذا, ولا يزال القوس الذي فتحه أستاذي الكبير د.محمد الخطيب ينتظر منه ومن أمثاله من الباحثين الجادين من يضع لبناتٍ أخرى في صرح هذا المشروع ترسيخاً لهذا “المنظور الإسلامي” في تحريك الحياة وإبداعاً لــــــ” آليات” تفعيله, و”تشغيل” مفاهيمه إيماناً بأن الاجتهاد العلمي رحم تتوالد, وسنة من سنن العلم النافع.

 

2 تعليقان

  1. خلود رجب قال:

    لمن أراد أن يقرأ هذا الكتاب الفذ، ولمن قرأه وأفاد منه وأراد أن ينظر إليه بعين ناقد خبير درس الكتاب ودرسه عشرات المرات..
    مقال رائع بوركتم ^^

  2. فريد لطفي أحمد قال:

    أشكر أستاذي د. محروس بريك على نشر هذا العرض لذلك الكتاب المتميز… وهو كتاب في منهج الفكر وأصول الرؤية الحضارية للإنسان والكون والحياة, وهو لا يرسم لنا صورة الماضي بقدر ما يخط ملامح المستقبل فهو شغوف بالحداثة منقطع لبناء ملامحها وفق التصور الإسلامي.

أضف تعليقك