نَمَطٌ لَهِجٌ ونَمَطٌ لَهْوَج – بقلم: د. محروس بريك

 يستطيع من عانى القراءة واطَّلع على مشارب المؤلفين والقرَّاء أن يصنفهم أنماطًا متباينة؛ فقارئٌ لَهِجٌ مُتدبّر، وقارئٌ لَهْوَجٌ مُدْبِر، وقارئ إمَّعة، وقارئٌ ناقد بصير. ويستطيع المتفكر في صفحة الوجود أن يجد لكل صنف منهم ما يوافقه من أمة الطير والحيوان.

فقارئ من أمة النمل قد خطَّ لنفسه سبيلا واضحة لا يحيد عنها، إن جابهته فكرة صخريّة استعان بالصبر على تسلّقها كي يصل إلى حبة قمح أعلاها، فيلتهمها أو يحفظها لاستدعائها في مستقبل الأيام، لكنه لا يستطيع أبدًا أن يسبغ عليها من نفسه فيحولها إلى قطعة خبز. مثل هذا القارئ ظالم لنفسه يقرأ ويتدبر ويعي؛ لكنه لا يخط رأيًا ولا يؤلّف كتابًا، مطَّلع على المذاهب الأدبية والفلسفية، يحفظ المنظومات الألفية والقصائد الطوال، ويحسن استدعاء الأمثال والحكم؛ مثله تودّ أن تجلس إليه وتأنس بحكاياته ومحفوظه؛ لكنه لا يترك في نفسِك أثرًا من نفسه وفكره بل من آثار الآخرين وأفكارهم.

وقارئ ملأ الدنيا طنينًا كطنين الذباب تراه في كل نادٍ، ينعق بما لا يفقه، له ذاكرة ذُبابيةٌ كذاكرة أمته التي ينتمي إليها، لا يرعوي؛ تهشه من عن يمينك فيأتيك من ذات الشمال، تكاد إذا فتحت صنبور الماء أن تجده بين يديك يطلُّ عليك بسحنة كسحنة العفريت؛ قد حفظ بعض كلمات متراصَّة يملأ بها شدقيه، تبهَر الشداةَ مفرداتُه الحداثيةُ وعباراتُه المسكوكة ، يقحَمُ نفسه في كل أمر صغيرًا كان أم كبيرًا، يقتحم الناس برأيٍ ما هو برأيه. مثله يصاحب من هو على شاكلته ممن عثر في بعض المؤلفات الأجنبية على بَهْرَجٍ رديء فنسبه لنفسه وطار به في الآفاق يردده كالببغاء. ليس عجيبًا ونحن في عصر انحطاط أن يتصدَّر هؤلاءِ القومُ المشهدَ؛ فأغثَوا نفوسنا أغثى الله نفوسَهم.

وقارئ يتبع كل ناعق، لا يفرق بين حلو وحامض؛ إن ذمَّ الناسُ الحلوَ مدح الحامض، وإن ذموا الحامض ذكر للحلو ألف فائدة! يتلوَّن كالحرباء، يأكل على موائد الكرام في الصباح ويؤاكل اللئام في المساء. يحفظ لكل مصنف جملة أو جملتين، ويدعي قراءة كتبه مطبوعها ومخطوطها؛ فمثل هذا لا يؤمن شرُّه ولا يُرجَى منه خيرٌ.

وقارئ كله خير؛ وهبه الله قلبًا واعيًا وعقلا ذكيًّا وعينًا ناقدة، متروٍّ هادئ لا تكاد تسمع له صوتًا. مثله كمثل أمة النحل تعاف الخبيث خِلقةً، ولا تقع إلا على كل طيب. يقرأ فيعي ، ويطلع فيبصر، يضفي على ما يقرأ من نفسه وعقله وفكره، لم يتزبب قبل أن يتحصرم؛ شعاره قول ابن الرومي:

نارُ الروِيَّةِ نارٌ جِدُّ مُنضِجَةٍ     وفي البديهةِ نـارٌ ذاتُ تلويحِ

وقد يفضّلُها قـــومٌ لعـاجلِها     لكنّه عاجلٌ يمضي مع الرّيحِ

رضي بأن يظل مغمورًا حينًا من الدهر حتى إذا خرج إلى الناس خرج عملاقًا يفيء الناس إلى ظله الظليل، لا يدَّعي لنفسه فضلا وإن كان هو الفضلَ، ولا يدعي سبقًا وإن كان قد حاز قصب السبق.

___________________________

د. محروس بريك

2014م

التعليقات مغلقة.