الغنيمة الباردة – بقلم: د. محروس بريك

قال لي صاحبي ذات صباح : ما لي أراك قد أصبحت بوجه غير الوجه الذي عهدناك به؟ فلما أجابه الصمت أعاد مقولته ثم أردف : لقد كنا نراك مُنفرِجَ الأسارير طَلْقَ المُحَيَّا ، فما بالك اليوم تكسو وجهَك سحابةٌ من الحزن؟ فلما رأيت إصراره قلت: يا أخي (ألم يأتيك والأنباء تنمي**بما فعل اللئامُ مع الكرامِ؟) فنظر نظرةَ المستوضح. قلت لقد ضقتُ ذَرْعًا بأولئك اللئام الذين يفتئون يسرقون جهد الأسلاف الأماثل الكرام . قال لعلك تقصد ذلك الباحث الذي سارت بخبره الركبان منذ بضعة أيام؛ ذلك الذي نال الجوائز ببحوث مسروقة فلما انكشف أمره وذاع سره أذَّن مؤذنٌ (إنكم لسارقون) فرُدّت الجوائز وهجاه الشاعر والراجز ، أو أنك تقصد ذلك السارق الذي أصبح آية في بابه على سرقة أترابه، قلت: (إنَّ الخبيثَ للخبيثِ يَتَّفق) ، لكن ما إلى هؤلاء رَمَيت، ولا هذا الضربَ من السَّرَقة عَنَيت.أما تذكر إذ فَتَشْنا معرض الكتاب بالقاهرة فَتْشًا نطلب كتاب (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) لمؤلفه الإمام يحيى بن حمزة العلوي اليمني، طبعةَ مطبعة المقتطف بالقاهرة ونشرَ دار الكتب الخديوية…فقاطعني ضاحكا ثم قال: أذكر إذ جئتك متهللا ، وكيف بادَرْتَنِي مبتسمًا: أراك تتأبَّط خيرًا ، قلتُ : هذه نسخة جديدة من الطراز ، فما كان منك إلا أن انتزعتها مني تُقلِّبُها ذات اليمين وذات الشمال ، ثم ألقيتها إلي وكَسَتْ وجهَك سحابة الحزن التي أراها الآن، ثم … وسكتَ برهة كأنه يستدرك على نفسه شيئا، ثم قال: لعلك وجدتَ نسخة أخرى أعادَتْ طبعَها تلك الدار البيروتية بعد أن أسقطَتْ منها مصححًا آخر كما أسقطت الشيخ الجليل سيد بن علي المرصفي مصحح الطراز!! تنهَّدتُ تنهيدة طويلة وقلت: ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد يا صديقي، لقد (تَنَسَّرَتِ الْبُغَاثُ بِأَرضِ نَسْرٍ**وَدَلَّ الذِّئْبُ فِي أَرْضِ الْهِزَبْرِ) فلم يعد يقتصر الجرم على هذه الدار البيروتية الآثمة، ولم ينحسر عند هذا الحد من السَّرِقة. لقد تآزر السَّرَقة وأنشبوا أظفارهم ونواجذهم فيما خلَّفه أسلافنا من المحققين الأماثل العظماء؛ فاستبدلوا بأسمائهم أسماءً لأقزام (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ )، وانخدع شُدَاةُ الباحثين بِبَهْرَجٍ رديء لا خير فيه من طباعة وألوان وتغليف، (ونسُوا حظًّا مما ذُكِّروا به)، (ونامتْ عيونُ الهاجدينَ ولم أنمْ**غراماً ووجداً في دياجي الغياهبِ)، ثم مضيتُ أقول في نفسي لابد أن أكتب كتابا أجعل عنوانه: “تنبيهُ الأنام إلى سرقةِ اللئام جهدَ الأسلافِ الأماثلِ الكرام”.

 

أضف تعليقك