من حقيبة الذكريات: الشيطان الملائكي – بقلم: د. سعيد شوارب

عشر دقائق … ولكن

أنظر إلى صغاري … لايحيطون بشيء من الهول الذي أحاط بهم ..
تتساقط نفسي من القلق أنفـُسـًا…
ليس إلا الله ..الأطفال مالهم بعدي إلا هوانهم على الناس !
الثامن والعشرون من أغسطس1990.. الكويت كلها في قبضة الذين تخلوا عن كل شيء إلا النهب وإلا بسط السيطرة على كل نابضةٍ … لم يبق في الأمل أن تحصل على ما يعينك على الطريق .. استولى الغزاة على المصارف ..كل المصارف.. ليس بينك وبين وطنك إلا مسافات من الروع مشحونة بأسئلة بلا جواب..ربما نفلح هذه المرة في مغادرة الكويت إلى مصر..استحال البقاء اليوم كما استحال الرحيل بالأمس 
نوشك أن نغادر البيت إلى المصير المجهول ..
دق جرس التليفون … 
– نعم ..
– أنت الدكتور سعيد شوارب ؟
– نعم أنا هو !
– سيارتك زين ؟
– الحمد الله !
– ألا تنوي أن تغادر ؟
– الآن إن شاء الله .. من حضـْرتك ؟
– لا تعرفني … أنا قادم الآن .. انتظر … لا تتحرك قبل أن أصل .

لا تتحرك ؟ … ثقته أفدحُ مما يحتمل … جملته الأخيرة في صرامة الأوامر العسكرية .. أي قادم غريب هذا ؟ ليس في الأعصاب مساحة لضغط جديد .. ما سؤاله عن سيارتي ؟ … السيارة هي خيط الرجاء النحيل الذي تزحمه الأسرة والأحزان .. بعد عشر دقائق … ؟؟ تلك هي أطول عشر دقائق عرفتها عدادات الزمن ! صدري على زجاج النافذة … أنتظره..أهرب من دموع زوجتي وأسئلتها التي لا يجيب عنـْها إلا القضاء والقدر … لا أريد أن تقرأ ما يشقـّني من الهواجس !

رحمتك أيتها السماء .. هي إذن نهاية الأم وضياع صغارها … أية حماقة تلك التي ارتكبتها بالأمس مرات … لا بد أن جهاز المخابرات العراقية كان يراقب هاتفى وأنا أقرأ القصيدة الجديدة ضد صدام حسين والغزو العراقي على أكثر من زميل .. نعم هى النهاية لساذج مثلك يا سعيد شوارب.. فلأبدأ بتمزيق القصيدة قبل أن يصل … 
صعب أن يمزق الإنسان جزءًا من كيانه مختارًا … لا … لا … دسستها في ساق جوفاء لمنضدة معدنية .. يصعب أن يبلغ التفتيش هذه الدرجة من الدقة…أكاد أسمع صرير مفاصلي تتلوّى كما تتلوّى القصيدة وهى تندسّ فى قائمة المنضدة..عدت إلى الالتصاق بالنافذة … نزل من سيارته يحمل رشاشًا ضخمًا معلقـًا على كتفه الأيسر …صوب عينيه إلى النافذة كأنه يعرف شقتى فى الطابق الثالث..يقترب من مدخل العمارة كما يقترب الذئب من الغنم الشاردة… لم أتبين شيئـًا أعرفه … زحف الموت على مساحة الحياة كمان يزحف الظلام على بقية الضوء .. هي النهاية إذن … أصبحت الدنيا كلها لفظتين … أولادي … الموت .. رحمتك يا أرحم الراحمين !
فزعت زوجتي وأطفالها خلف باب الغرفة القريبة … اصطنعتُ رباطة الجأش ورحبت به …مسحتْ عينى بسرعة تضاريس وجهه.. أنفض ذاكرتي عن شيء أعرفه فيه .. دلف إلى الصالة .. زحم صدري برشاشة الأسود ..جلس … !
جلست الجبال كلها على أنفاسي !
– أهلاً وسهلاً..!
– قلت أكيد أنه ليس في ثلاجتكم شيء وأنتم على نية السفر فأحضرت هذه الحلوى بعد أن كلمتك..!
ليس أبغض إليّ من الحلوى وما اشتق منها في تلك اللحظة .
– شكرًا .. ومن حضرتك ؟ نحن في خدمتك ..
– لا … لا … أنا الذي في خدمتكم ..هل تذكر ” حسن ” صاحب المطعم فى منطقة “المباركية” ؟ .. لقد كان يحدثني كثيرًا عنك إذ كنت أرافقه أحيانًـا وهو يوصل إليكم بعض الطلبات في هذه العمارة .
لطفك يالطييييييييف !
– ومن أنت إذن ؟ وما الأمرُ الذي جاء بك هذه الساعة ؟ وأين حسن ؟ 
– أخذه العراقيون .. نعم أخذوه .. أعرف أنك سوف تحزن عليه كثيرًا … وربما كان هذا بعض دوافعي للسؤال عنك اليوم .
– لا تريد أن تقول من أنت ؟
– أنا ” بدر عطا الله ” … صديق ” حسن ” الحميم … ربما تقابلنا أكثر من مرة في المطعم … لكنك بالطبع لا تذكُرُني … 
– إذا كان عندي ما أقدمه لك فأنا تحت أمرك !
– قلت لحضرتك أنا الذي في خدمتك بالفعل ..
حضرتى..؟
– وقد أهمني أن أزورك , فظروف السفر تحتاج إلى مساعدة وخصوصـًا في هذه الأوضاع … هل عندك شبكة تضع فيها أغراضك على ظهر السيارة ؟
– لا … 
– خذ شبكتي …
هل عندك ما تـَجـُّر بـِهِ سيارتك إذا حدث ظرف ما ؟
– للأسف لا … 
– سأعطيك ما عندي !
شيطان هذا قفز ليفجرأعصابي ؟ أم ملاك هبط لينقذني من هلاك الأعصاب ؟ قلت له ونحن نشد الشبكة على سيارتي : 
– بدر .. أنت كويتي , فلماذا تلبس هذا الزي العسكري وتحمل هذا الرشاش ؟ لقد أتلفتَ أعصابي !
– هذه خدعة للعراقيين جربتها أنا ومجموعة منذ أمس الأول , بعد أن اختطفنا ملابس ثلاثة منهم …
شئ عظيم جدا ..

شددنا بالحبال ظهر السيارة , وتهالكت الأسرة داخلها , ووقفت أودع ” بدر عطاالله ” هذا الشيطان الملائكى ..الدموع تسبق إلى عيون كلينا … أخرج من جيبه مبلغـًا من الدنانير الكويتية , وقال :
– لا تضمن ظروف الطريق.. خذ هذه المائة دينار … واترك لي تلك الثلاثين… !
– بدر .. قد لا أعود إلى الكويت .. فكيف أعيد إليك حقك ؟
– إن شاء الله تعود حين تعود الكويت وإلا … فأنا من الآن أسامحك .. !

انفرطت الدموع من عينيّ تسابق شريطا هائلا من الحزن والذكريات،وتسبق شريطا هائلا من الهواجس …
انطلقتُ صاعدًا إلى الشقة لأغادر لآخرمرة مكانا أحببته بلا آخر.. أخذت القصيدة من موضعها في رجل المنضدة المعدنية …اتخذت مكاني على عجلة القيادة واستسلم الموكب الحزين للمجهول .. 
في المرآة .. يظهر ” بدرعطالله ” خلف السيارة ..لايزال يلوّح بكلتا يديه ..لا يكاد يبلغني صوته المتهدج !
انخرطت زوجتى فى دموع صامتةٍ ، تشهق بدعَوَات حزينة وتتلفت من خلفها إلى تاريخ كامل ، يشهق من خلف نافذة شقتنا بالطابق الثالث ..
فى بدء الرحلة من بيتنا فى ” حولِّى “بالكويت المحتلة ، عبر المسافات العسكرية الملغمة خلال العراق والأردن إلى القاهرة ، ستمتد هواجسى وخوفى على أسرتى إلى أماكن لا أعرفها ، وظروف لا أخمنها ، وليال أرى أولها ولا أرى أواخرها .. جمعتُ صوتىَ المبعثركحبات مسبحة.. وقلت أ ُسمع أطفالى وأكف دموع زوجتى :

“اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر،وكآبة المنظر،وسوء المنقلَب .. ” !!

وللحديث بقية

أضف تعليقك