من حقيبة الذكريات: قبل الانطلاق – د. سعيد شوارب

– دقائق أشوف صيدلية لأطلب أشياء لجرح “أحمد” قبل أن نبدأ الطريق..استراحت زوجتى لفكرة غيابى وقتا قصيرًا.. ست غرز فى رأس الصغير أحمد ذى السنوات السبع .. أجراها له “مستشفى صدام حسين” بالجابرية الذى كان يعرف قبل الغزو، بمستشفى مبارك الكبير.. أحمد سقط أمس على سن إحدى درجات السلم الرخامى بعد دفعة رياضية من صديقه فى مدخل العمارة .. لايفهم الأطفال إلا أن يشبعوا هوايتهم فى لعب الكرة حتى لو كانوا على مرمى حجرٍ من مركز الاعتقال الذى أقامته مخابرات الاحتلال العراقى فى “مدرسة هدى شعراوى” فى الضفة المقابلة للعمارة من شارع ” بيروت”.. الفزع لا يغادر سكان العمارة ولا رواد المسجد .. قبل الغزو ، كنت أعد جوار ” مسجد الزير” ، ميزةً تستحق الحسد .. اتخذ العراقيون من سهولة الحصول على الماء حول المسجد فرصة سهلة لإمداد المصفحات والمجنزرات وناقلات الجند .. صف طويل من أماكن الوضوء والحمامات على حافة المسجد مما يلى شارع بيروت .. محيط المسجد ملبدٌ بالخوذات والرشاشات العسكرية .. لا تنافسها إلا رشاشات الألفاظ القذرة والأوامر الصارمة باللهجة العراقية والصراخ المستغيث .. ” النشامى” يجرُّون المعتقلين الفلسطينيين كل ساعة إلى مصيرهم المجهول ..ياسر عرفات الزعيم الفلسطينى ، والملك حسين ملك الأردن ، كانا قد عارضا بقوة دخول الاحتلال إلى الكويت.. ” حَوَلِّى” التى فيها بيتنا ، موطن لتركز الفلسطينيين منذ عهد بعيد، .. لهم فى الكويت حضور تجارى وثراء لا يغيب ثم لهم خبرة فى خدمة الكويت يعرفها الجميع…غير بعيد من الجند ، كنت قد تركت السيارة المحملة بالأسرة وما استطعنا تحميله فوقها وبحثت عن صيدلية .. تحسست مرات ما بقى عندى من دنانير كويتية سخطها الغزو حين أصدر قرارا بمساواة الدينار الكويتى بالدينار العراقى .. تقزم ما تبقى معى من فلوس إلى أقل من عشر قيمته ..حاولت الاقتراب من “البنك التجارى” المجاور لبيتنا ، لعل وعسى..لم تزل طوابير الناس مقموعة أمام البنوك كما هى أمام محطات البنزين منذ الثانى من أغسطس1990 انتظارا لفتح الأبواب بلا أمل .. تسللت زوجتى لحظة اتجهت إلى الصيدلية .. أسرعتْ إلى الشقة من جديد تنقذ ما منعتُها من حمله لظروف السيارة المشحونة من فوقها ومن تحتها..قرأتْ فى عينىَّ لحظة عدتُ من الصيدلية ،غضبا ساطعا ..سأضع هذه الأكياس كلها فى السيارة على حجرى .. سكتُّ كما يسكتُ الكبريت..تضعها على حجرها ليالىَ وأيامًا غير آمنين ؟
… اتصلت بالدكتور يوسف نوفل وبالدكتور عبد الستار ضيف .. هل وصل أحدهما أو كلاهما إلى مكان اللقاء الذى اتفقنا عليه بموازاة ” كلية التربية الأساسية ” على الدائرى الرابع ، ليبدأ الموكب المهموم من هناك ؟ .. كلنا زملاء بقسم اللغة العربية بهذه الكلية ..الإدارة العراقية الجديدة دعتنا إلى مزاولة العمل فى الفصل الدراسى الصيفى .. رفضنا التعاون معهم .. نحن إذن مغضوب علينا عراقيا.. مطلوبون أمنيا .. كلمة ” دكتور” فى أى مستند ، كافية لضياع هذه الأسر .. العراقيون يمنعون من السفر نوعين من الناس غير الكويتيين ، الأطباء ودكاترة الجامعة .. انكفأنا مهزومين قبل أسبوع من رحلة الهروب من الكويت عبر الحدود السعودية.. لم يكن بيننا وبينها إلا ذراع .. التقينا قدرا بابن عمى محمد حسين ابو شوارب وأسرته .. شغله فى معامل وزارة الصحة التى أصبحت تابعة للعراق بحكم الغزو .. تكلمنا كثيرا وحبسنا دموعنا طويلا .. ممنوع مثلى من الخروج .. مفلس مثلى أو يكاد .. كان يوما بلا ملامح ذلك الذى لحقتنى فيه كلمة ” دكتور” هذه ، من جامعة القاهرة عام 1987يوم الخامس والعشرين من فبراير .. لصقت بغير نهاية فى جواز سفرى .. اهتدى الدكتور يوسف نوفل بعد أن حيل بيننا وبين السفر عبر السعودية ، إلى حيلة للخروج من الكويت .. نخفى جوازات سفرنا جميعا .. فإذا سألنا العراقيون عنها قلنا لهم إنها فى جهات العمل .. ألم يكن الأصل فى غير الجامعة أن تجمع جهات العمل جوازات العاملين غير الكويتيين فلا يحصلون عليها إلا عند السفر ؟ .. سنحصل من سفارتنا بالكويت على وثيقة نسافر بها .. رصصنا في كل وثيقة أسماء كل أسرة وصورهم .. كتبوا لنا ثلاثتنا فى خانة المهنة ، ” معلم بالمرحلة المتوسطة ” .. عقبوا بأختام السفارة .. لم تزل تلك الوثيقة عندى إلى اليوم فى أوراقى المهمة .. رحت أتأكد قبل التحرك من الوثيقة ، ومن عدد الدنانير التى تبقت معى للسفر .. دعونا أنا وزوجتى كثيراجدا لهذا الرجل الطيب ” الدكتور نورى ياسين ” .. زميل عراقى كان يدرس معنا فى القسم .. حر الحركة فى الكويت بحكم كونه عراقيا .. طاف على بيوتنا يطمئن علينا، يوسف نوفل وعبد الستار ضيف وأنا … واسانا فى مصيبتنا يعصره الحزن .. صمم أن يترك لنا مبالغ من الدنانير العراقية نستعين بها على شىء من ظروفنا .. ترك لنا عنوانه فى مدينة “الرمادى” .. ربما تضطرون إلى السفر عبر العراق ، فيكون بيتنا لكم محطة راحة ضرورية ، فى طريق لا يعرف الراحة .. بقية دنانير نورى ياسين العراقية ، والمائة دينارالكويتية التى دسها بقوة فى يدى بدر عطا الله ، بعد أن أحكم شد الحبال على سطح سيارتى المرسيدس أمام العمارة .. زادٌ من الدنانير لا يكفى عشر طريقنا الملتف بالخوف والهواجس ..!
الدكتور يوسف نوفل يستعجلنى للوصول إلى مكان الانطلاق الذى اتفقنا عليه ، سأصاحبه إلى ” السالمية ” لننقذ الدكتور عبد الستار ضيف من مشكلة مع صاحب الشقة التى سيغادرها مغلقة ، دون دفع الإيجار .. لا حل إلا بالحصول على حرية عبد الستارعبد الستار ضيف .

وللحديث بقية إن شاء الله

أضف تعليقك